Tuesday, June 21, 2011

الثقافة وبناء الرؤية السياسية د. علياء رافع


الثقافة كلمة واسعة فضفاضة قد يصعب تعريفها تعريفا جامعا مانعا، ولكنها في الغالب الأعم تستخدم من أجل الإشارة إلى النخبة التي  تعبر عو دائرة واسعة من المعرفة في مجالات شتى، مما يؤهلها على الرؤية الشاملة، وبالتالي فهناك من يفرقون بين المتعلمين وبين المثقفين، وبين العلماء في تخصص بعينه وبين المثقفين كذلك. وهذا التعريف الشائع يعطي للمثقف ميزة معنوية في مجتمعه، بإعتبار أن له قدرة على الإلمام بكثير من المعارف، مما يهيئه للتحليل والوصول إلى نتائج لها قيمة مضافة. ولكن قد يكون هذا التعريف أيضا غير دقيق، لأن الفروق المرجعية التي تدخلت في تكوين هذه الرؤية قد تقف حائلا عن قدرة من نطلق عليهم مثقفين. بعبارة أخرى سنجد أن بعضا من المثفقين الشيوعيين الذي تربوا فكريا في الستينيات، وقرأوا بغزارة في النظريات الإجتماعية، قد يصبحوا مقيدين في رؤيتهم، وغير قادرين على رؤية الآثار السلبية لتقديم خدمات مجانية تتحمل الدولة عبئها الأكبر دون تقييم مستمر لفائدة هذه الخدمة على المجتمع ككل. ظهر هذا مثلا عندما أعلن البرادعي أن التعليم الإلزامي يجب أن يكون مجانيا، أما ما بعد هذه المرحلة فيجب أن ينظر إليه من منظور آخر. هنا ثار عليه بعض المفكرين – المثقفين – ممن يحملون فكرا إشتراكيا. وينطبق هذا أيضا على كل فصيل ثقافي ينتمي إلى مذهب أو أيديولوجيا ما.  ومن هنا كان تعريف "المثقف" ، "والثقافة" لا يشير إلى إمتياز خاص لهذه النخبة، لأنهم مسجونون أيضا في إطار مغلق إلى حد كبير.  
وينقلنا هذا إلى التأمل في تعريف الثقافة من زاوية رؤية العلوم الإجتماعية،  لقد طور هذا المفهوم  أيضا فأصبحت هناك نظريات في "الثقافة" ، ولم يعد التعريف التقليدي الذي وضعه الأنثروبولوجي تايلور كافيا أو قادرا على تعريف الثقافة بإعتبارها كل مركب من العادات والتقاليد والفنون والعلوم وكل ما يتصل بالنشاط الإنساني. ورأي الكثيرون أن هذا التعريف سيقف بأي باحث عند المنهج الوصفي الذي يحاول الإلمام بالسلوكيات الإنسانية دون إعتبارات لدلالاتها الخاصة والمتنوعة. وذهب كثيرون إلى إتجاه معاكس تماما، إذ رؤا أن الثقافة مرتبطة إرتباطا لا يمكن فصمه بالبناء العقلي للإنسان الذي يشكل قدراته على الإدراك والتفكير، وأن اللغة هي الوسيلة التي يمكن من خلالها أن نتعرف على هذا البناء وكيفية تنظيمة، وطور آخرون ومنهم كليفورد جيرتس (الأنثروبولوجي الأمريكي) هذا الإتجاه إذا رأى  أن اللغة تتعدى الألفاظ المنطوقة إلى كل ما يقوم به الإنسان من سلوكيات، تؤخد على أنها رموز ترتبط بغيرها من الرموز، ومن خلال هذا الترابط نستطيع أن ندرك المعنى المستتر وراءها، أي البناء العقلي الذي ينظم هذه المفردات في علاقات منطقية مترابطة يمكن أن نطلق عليها "رؤية"، وأصبح تعريف الثقافة لديه أنها الكل المركب من الرموز التي تحتوي دلالات تشكل الوعاء الذي يرى الإنسان من خلاله العالم.
أعتذر للقاريء عن هذه المقدمة التي تبدو متخصصة إلى حد ما ولكنني إستطعت أن أبسطها بما يجعله يتواصل معي فيها، لأنها مقدمة ضرورية عندما نناقش أمورا على درجة كبيرة من الأهمية في هذا الوقت الحرج من تاريخ مصرنا الحبيبة، إذ أن هناك بلبلة فكرية خطيرة فيما يتعلق بالدولة المدنية والدولة الدينية، وأيضا بين الدولة المدنية كما يعرفها التيار الديني والدولة المدنية كما يعرفها الليبراليون أو غير المرتبطين عموما بالإطار الديني بإعتباره إطار مقيد إذا ما أوخذ حرفيا . وتجيء أهمية هذه المقدمة من أن القدرة على التواصل بين المختلفين في هذه القضية قد تكون مستحيلة، لأن كل منه له مذهب متكامل يستمد صدقه من تماسكه الداخلي، وكله محبوس في هذا الإطار المذهبي، ولأن كل منهم يحمل منطقا قويا في الدفاع عن رؤيته، ويؤمن بأنها الرؤية الأفضل التي تسير بالمجتمع إلى بر الأمان. ويظهر التخوف من التيار الديني قويا بين من يؤمنون بالحداثة وضرورة التطور مع متطلبات العصر، لأنهم يدركون أن هذا التفكير لن يحقق الحرية المطلوبة اللازمة في تطوير المجتمع وتقدمه. ومن ناحية أخرى فإن الذي يؤمنون بما يقولون عنه أنه مرجعية دينية، فإنهم يصرون على أن هذه المرجعية هي العاصم من إنزلاقات أخلاقية معروفة ومشهودة في المجتمعات التي لم تعتمد على الهدي السماوي، مما جعل بعض السلوكيات المرفوضة أخلاقيا وثقافيا ودينيا، مسموح بها في هذه المجتمعات التي لا تعرف أي ضوابط لمفهوم الحرية.
ولذا ونتيجة لهذا الإستقطاب بين الجانبين لزم أن نعالج الأمر ليس بإعتبار أيهما أصح من الآخر، ولكن بإعتبار أنه من الضروري أن يفهم كل منهما المسلمات الأولية التي ينطلق منها كل فكر على حدة. وسنجد أن تلك المسلمات قد تجذرت في بناء ثقافي متراكم، يجب أن نتفهمه من خلال البناء العقلي أو الرؤية العامة التي تنظم طريقة التفكير، وعن طريق "تفكيك" هذه الرؤية ليمكن فهمها، وبالتالي قد يكون تغييرها أو تطويرها متطلبا، لبناء فكري جديد  قائم على مسلمات مختلفة تماما.
إذا نظرنا إلى التيارات الدينية التي تختلف في شدة تعصبها، نجد أنها قد بنت كل نتائجها على مقدمات متشابهة، وهي أن الله قد ضمن كتابه الكريم وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام الأساسيات الصالحة لبناء مجتمع متكامل في كل زمان ومكان. ونجد على الصعيد الآخر أن المنطق المختلف أو المضاد لهؤلاء هو أن الواقع هو الأساس الذي يجب أن تنطلق منه النظم السياسية والتشريعية،  والذين يريدون منهم أن يجدوا أرضا مشتركة بينهم وبين التيارات الدينية، فإنهم يقولون أن هناك ضرورة في إعادة تأويل النص لكي يتواءم مع الواقع. وقد يحمل قولهم هذا لفريق التيار الديني إتجاها مشكوكا فيه، من حيث أنهم يصبحوا متهمين بأنهم يحاولون تشويه التعاليم الدينية، وإختراقها من داخلها، وبث منهجهم "العلماني" في التعاليم الدينية الثابتة.
أتعرض لهذه المقدمات الفكرية بهدف الكشف عن السلسلة التنظيمية المنطقية التي يتجه فيها كل من الإتجاهين، أحدهما يبدأ من النص والآخر يبدأ من الواقع، فكيف يمكن أن يتلاقيا؟ ستكون المسافة بينهما دائما هي مسافة ما بين السماء والأرض فهما يسيران في خطين متوازيين، ولكن الأمل الوحيد هو إستطاعة كل منهما أن يعيد الرؤية في المسلمات التي بدأ بها طريقته في التفكير، وإعادة النظر إليها وتأملها. من هذا المنطلق تصورت أنني من السلفيين الذي يؤمنون بأسبقية النص على الواقع،  وأدرت حوارا مع عدد من الأصدقاء، وأدهشهم قدرتي على الدفاع عن رؤية السلفيين المتماسكة داخليا، والتي لايمكن إختراقها أو تغييرها من داخلها، وبالتالي تكمن خطورتها في أنها قادرة على جذب وإجتذاب الكثيرين من المحايدين المتدينين تدينا أخلاقيا من المسلمين الذي يؤمنون في أرض مشتركة مع كل مسلمي العالم أن القرآن هو الكتاب المنزل الذي ينبغي علينا إتباعه. ولهذا فإنني إستخدمت أسلوبا مختلفا تماما ألا وهو أسلوب الدلالة أو المعنى، وليس الإختلاف في "الخطاب نفسه".  قلت لأصدقائي حقا أن إتباعنا للقرآن هو خطوة ضرورية، ولكن لنرى الآية الأولى التي تنزلت على الرسول ولتكون هي البداية لنا كما كانت بداية للرسالة،  سنجد أنها "إقرأ"، ولهذا فإن أيا ما كان يحمل هذا الأمر من دلالات تفوق القراءة اللفظية، فإن البداية من الإنسان، أي من محاولة أن يتعلم كيف يفسر (كيف يقرأ)، ولأن البداية هي من الإنسان (كما يقول النص) فإن  القراءة (التفسير) لتنزيل آيات الكتاب الحكيم لن تكون حرفية بأي من الأحوال، وإنما ستكون دلالية دائما. وستكتسب دلالاتها من خلال التطور العقلي والمعرفي المستمر.
لم يكن هذا النقاش إدعائيِ، ولكنه كان إعادة ترتيب للمنظومة العقلية التي ينطلق منها المنهج السلفي (المتشدد) لأننا كلنا سلفيون بالمعنى الإيجابي الذي يحترم تجربة الأسبقين دون تقديسها. بعبارة أخرى إذا إتفقنا على قدسية النص، فإن هذه القدسية تكسب دلالات مختلفة عندما ننظر إليها في قدرتها على إلهامنا وتقوية قدراتنا الفكرية والإبداعية في تحسين واقعنا، وينتج عن ذلك منظومة فكرية أخرى لا تتعارض مع إحترام الواقع والتجربة الإنسانية في كل مكان، ولكنها أيضا لا تسجن نفسها فيها. وأعتقد أن هذه الرؤية في حاجة إلى مزيد من المناقشة والشرح. 

Tuesday, June 14, 2011

بين سقوط دولة وسقوط نظام د. علياء رافع


بدا الأمر سهلا وبسيطا للغاية عندما تنحي الرئيس حسنى مبارك، لقد خيل إلينا جميعا أن فجر يوم جديد قد بدأ يظهر في الأفق، وكان نزول الثوار إلى الميادين المختلفة لتنظيفها يعبر عن فرحة حقيقية، وشعور عام أن البلد قد أصبحت بلدنا حقا وفعلا، وآعرف بعضا من الشباب الصغير المرفه، تحمس بشدة، وشمر عن ساعديه يريد أن يشارك في هذا العمل الجماعي، على الرغم من أنه لم يعتد أن يمسك بالمكنسة في بيته، ولكن عندما أصبح الأمر متعلقا بالوطن، كان لسان حاله يقول، هذا بيتي الأصيل والأوسع.  في تلك اللحظات التاريخية الرائعة، لم يكن هناك أي نوع من الشك في أن مواطني مصر قادرين على أن يبنوها من جديد بأفكارهم وإبداعهم وحماسهم.  
طالب الشعب بإسقاط النظام، ولم يطالب بإسقاط الدولة، ولم يكن سببا في إنسحاب الأمن من الشوارع، ولم يكن كذلك سببا في إستمرار عدم كفاءة الأمن في أداء دوره. لقد مرت أكثر من أربع شهور على الثورة، واليوم وحتي كتابة هذه المقالة نجد أن عناوين المصري اليوم تشير إلى خلو الشوارع من الأمن ليلا، بعد أن رفع المجلس العسكري حظر التجول نهائيا، وأن كثيرا من المواطنين يشكون من  إعتداءات تتم عليهم، خاصة في أطراف المدينة. والمحزن المبكي حقا، أننا نسمع صباح مساء أن المظاهرات هي السبب فيما تمر به البلاد من أزمة إقتصادية وأمنية.
وفي يوم آخر كنت أستمع إلى برنامج يسري فودة االمميز مع الرائع بهاء طاهر، وكان على خط التليفوني الآخر مسئول كبير من وزارة الداخلية، إتصل به البرنامج بعد إكتشاف أن ال19 جثة مجهولي الهوية الذين تم تشييعهم على أنهم شهداء، إذا بهم من المسجونين الهاربين تبعا لشهادة طبيبة قامت بتشريح هذه الجثث. وفي الوقت الذي يبحث فيها الأهالي عن ذويهم من المفقودين بعد مظاهرات الثورة المجيدة، والذي يبلغ عددهم ألف مفقود، فإن أبا لأحد هؤلاء ذهب إلى المشرحة مستفسرا عن إحتمال وجود إبنه، ولم يطلب منه تحليل لأي عينة للتعرف على DNA له لمقارنته بما قيل أنه قد تم أي أن كل الجثث قد تم تحليل الجينات الوراثية لها، حتي يمكن أن يتعرف عليها ذووها قبل دفنها أو حتى بعد دفنها، وقيل أن كل جثة به قطعة معدنية مكتوب عليها جميع المعلومات. ولكن معاملة موظفي المشرحة للأب تجعل كل هذا أمرا مشكوكا فيه.  وعندما عرض يسري فودة الأمر  على المسئول متسائلا كيف يحدث هذا اللبس والبلبلة، وكيف يشيع مسجونون على أنهم شهداء، كان رد المسئول مستفزا للغاية إذ قال: "أكنت تريد أن نرميهم ولا ندفنهم أليس هؤلاء مصريون"  والهدف من هذا الهجوم واضح، هو الهروب من الإجابة من ناحية، وتحميل كلام المذيع المحترم معاني لم يقلها، وبعد القيل والقال، والسؤال والإستفسار، قال بشكل مختصر أن هذا الأب يمكن أن يجيء إلى مكتبه، ويذهب إلى المشرحة لتؤخذ منه العينة، وإستشاط يسري فودة غضبا إذا قال له أنه كان من المتوقع منه أن يعلن أنه سيطالب بمسآلة الموظفين الذين أهملوا واجبهم، والإستفسار الجاد عما حدث في المشرحة من إستهتار بأهالي المفقودين الذي إختاروا أن يقفوا ضد الطغيان، ونزلوا حاملين رؤسهم على أكفهم في تلك الأيام المشهودة.
لقد تعرضت لهذه الحادثة بالتفصيل، لأنها تدل على أن النظام ما زال موجودا، يتلاعب مسئولون بالألفاظ، ويتخذون من الهجوم وسيلة للدفاع، ثم يبدأون بتقديم حلول فردية، دون النظر إلى أخطاء المؤسسة والموظفين الذي لا يقومون بواجباتهم. وذكرني هذا الموقف بما كان يحدث قبل الثورة، عندما يقع على مواطن ظلم من أحد الجهات، وإذا به يصرخ مطالبا مبارك بالتدخل، بإعتباره كبير العائلة، وحامي حمى البلد، ويستجيب الرئيس السابق، وسط شكر المواطن المستضعف وتعبيره عن الإمتنان. كان هذا المشهد يحدث بشكل متكرر مستفز، ويثير في رؤسنا جميعا سؤالا لا يجد إجابة، لماذا لا يكون هناك نظام يعامل المواطنين جميعا سواسية، ومن تخلف عن أداء واجبه،  يحق عليه أن يحاسب، ويعاقب تبعا للقانون.  ويبدو أننا لا نزال نعيش في نظام فاسد، ذلك أن مرض الفساد قد تخلل جسد الدولة، فأصبحت عملية إقتلاعه عملية عسيرة للغاية، تتطلب علاجا قد يطول أو يقصر – يعلم الله – ولكن أرى أن الجراحة في هذه الحالة أفضل من المسكنات، والكلمات الفضفاضة التي نسمعها من هنا أو هناك، سواء من المجلس العسكري، ومن رئيس الوزراء، ووزرائه. وهذا ليس قدحا في أي من هؤلاء، ولكن توصيف لما يحدث على أرض الواقع.
في وسط هذا التقهقر الواضح للثورة وتقدمها، تثار مسئلة الدستور، وهل يجيء أولا، أم بعد الإنتخابات النيابية. والواقع أن هذه المشكلة قد وزججنا بأنفسنا فيها دون ضرورة، وذلك لأنني عندما إستمعت للواء فاروق شاهين قبل الإستفتاء، كان يتحدث وكأن النظام لم يسقط،  فهو يشير إلى القانون وإحترامه، وإلى ضرورة القيام بالتعديلات. هل كان اللواء شاهين يشير في هذا الوقت المبكر أن النظام هو الدولة والدولة هي النظام؟ أعتقد أن هذه هي الرؤية التي تسيطر على القائمين على الحكم، حيث أن شبح مبارك ما زال متحكما في الخطى البطيئة التي لا تتناسب إطلاقا مع مطالب ثورة إستشهد فيها من إسشتهد، وسالت دماء، وإنهارت شركات، وأصحابها الوطنيون غير نادمين في ذلك الوقت، لأنهم كانوا أمام مستقبل وطن. وبالرغم من كل التضحيات التي قدمت والروح التي بهرت العالم، مازال البعض يخلط بين الدولة والنظام.  وإلا لماذا كان علينا جميعا أن نذهب إلى صناديق الإستفتاء، ثم بعد ذلك يقوم المجلس العسكري بإصدار إعلان دستوري. ألم يكن من المنطق ألا نتعرض لهذا الإستفتاء على الإطلاق، وأن يكون أمامنا إختياران لا ثالث لهما، إما كتابة دستور جديد بالكامل، وإما أن يصدر المجلس العسكري هذا الإعلان، ويفرضه علينا بحكم اللحظة التاريخية التي نمر بها. وإذا حدث هذا لأصبح الأمر أكثر وضوحا. هذا بالإضافة إلى أن دلالة الإجابة بنعم أو لا لم تكن واضحة على الإطلاق، ولقد إستمعت إلى د. حسام عيسى الذي كان يفسر أن إجابة "لا" للتعديلات الدستورية، تعني أن هؤلاء لا يوافقون على التعديلات، لأنهم يريدون الدستور القديم كما هو. وأنا وغيري كثيرون أجابوا "لا" للتعديلات الدستورية، ونحن نتطلع أن يكون هناك دستور جديد بالكامل، لأن شرعية دستور 1971 قد سقطت عندما تخلى الرئيس عن مسئولياته للمجلس العسكري، وليس لنائبه، أو لرئيس مجلس الشعب.  والتناقض الذي وقع فيه المجلس العسكري وأوقعنا فيه هو أنه إذا كان معترفا بوجود دستور 1971، إذ لأصبحت شرعيته في إدارة شئون البلاد غير دستورية، ولو أنه إعترف بسقوط هذا الدستور، لكانت كلمة تعديلات متناقضة مع هذه الرؤية.  ما الذي حدث بالضبط ولماذا؟  إنه ذلك الإختلاط بين سقوط نظام وسقوط دولة.
إذا كان النظام السابق قد نجح في أن يتغلغل ويتشعب في أركان الدولة، فلا يجب أن نجعله يتغلغل ويتشعب في عقولنا، ونظن أننا مازلنا عاجزين عن التغيير، وأن المجتمع ينهار، والإقتصاد في خطر، ورفع الصوت من أجل الحق تعدي على القانون. إن تغلغل النظام السابق في عقولنا أخطر كثيرا من تغلقله في أجهزة، لنا القدرة على تطويرها، والقضاء على الفساد فيها، أما فساد العقول فهو الأمر الأصعب والأشق. حفظ الله مصر من كل سوء. 

Tuesday, May 17, 2011

من المسئول عن الإحتقان الطائفي في مصر؟ د. علياء رافع


غير مفهوم ما حدث في إمبابة، وعندما يستعصى أمر على الفهم، فإننا يجب أن نبحث عن أشياء لا تراها العين ولا يقبلها المنطق. لن نقبل بعد أن رأينا كيف تآزر المصريون مسيحيين ومسلمين في الثورة، أن هناك طائفية في مصر. ولا نجد بدا  من التفكير في مغزى هذا الحدث وغيره من الأحداث التي سبقته، لنصل إلى أنه من الواضح أن تشويه صورة مصر من ناحية، وخلق إحتقانات بين المسلمين والأقباط من ناحية أخرى يخدم أعداء مصر، ولابد أن يكون لأعداء مصر يد في مثل هذه الحوادت .
 وتتجه أصابع الإتهام إلى جهات كثيرة، منها اسرائيل، أو أتباع النظام السابق، أو من لا نزال لا نعلمهم.  وقد يكون هؤلاء وأولئك كلهم مجتمعون من أجل ضرب الثورة، وشغل الرأي العام بهذه الأحداث بديلا عن الإنتباه إلى خطورة المرحلة القادمة التي سيتحدد بها مستقبل مصر لأعوام طويلة. ولأنني أكره نظرية المؤامرة، ولكن لا أجد بدا في مثل هذه الأحداث وتتبع تسلسلها من إدراج عناصر مختلفة في إشعال إحتقان كان يمكن ألا يكون له هذا التأثير المدمر. ومع ذلك فلا أرفع المسئولية عن وجود خطاب ديني متطرف بشكل أو آخر. أقول خطاب، ولا أقول تطرف شعب، ولكن هناك فئة أو فئات ما زالت تعيش في عصر غير العصر، وفي فكرلا بد أنه سيجرنا إلى الوراء، ولا يساعدنا على أن نخطو خطوة إلى الأمام.  
يؤكد تقرير لجنة تقصي الحقائق ما أفترضه . ونتبين أن الأمر قد بدا مثيرا للقلق، عندما إجتمع عدد من المسلمين مطالبين بالدخول لأنقاذ زوجه رجل مسلم، وهي من أصل مسيحي، وإدعوا أنها محتجزة في الكنيسة. وكان من الطبيعي أن يرفض المسيحيون أن تدخل جمهرة من المسلمين إلى الكنيسة، وبدأ الإصرار الذي يقابله رفض يخلق نوعا من التوتر. وفجأة وبدون مقدمات يضرب مجهول النار، إعتقد كثير من المسلمين أنه من المسيحيين في الكنيسة، وإعتقد المسيحيون أنه أحد المسلمين المتجمهرين أمام الكنيسة، وبدأت حدة الصراع تزيد، وإستخدام الأسلحة النارية وكوكتيل المولوتوف يثير إلتهابا، ويتسبب في إشعال النيران في الكنيسة.  وترتفع هتافات عدائية، لا تحمل روح مصر، ثم يتجه عدد من الملتحين إلى كنيسة العذراء القريبة من كنيسة مارمينا التي كانت المسرح الأول للحدث، مدمرين ما أمامهم.  ويتساقط قتلى وجرحي مسلمين ومسيحيين.
ومما يدعم فرض أن هناك من يريد أن يشعل الموقف، هو وضوح التحضير والإعداد لمسرح الأحداث كي يأخذ طريقه نحو التصاعد،  فمثلا نحد أنه لا يتوقع أن تظهر الأسلحة النارية دون أن يكون هناك توقع لمعركة، وثانيا  يقال أن بلطجية قد دخلوا ليزيدوا الأمر إشتعالا، ولا نعلم من أين جاءوا، وكيف أعدوا أنفسهم لهذا الحدث، ثالثا نحد أن  الطلقة النارية الأولى لم يكن لها أي مبرر على الإطلاق، وكانت مجهولة المصدر، وهو ما يذكرنا بالرجل المجهول أيضا الذي دخل من قبل قرية أطفيح ليذكر أهلها بحدث غرامي بين مسلمة ومسيحي، كان قد مر عليه عدة أشهر. وذلك عندما إنطلقت شائعة بأن أحد الفتيات المسلمات تخرج مع شاب مسيحي،  وبدا أن هذا الدخيل الغريب قد أثارفي عقول أبناء عمومة الفتاة الأولى ضرورة الإنتقام من الشاب والفتاة المسلمة، قأخذوا  يطالبون الأب أن يسلم إبنته ليقتلوها دفاعا عن شرفهم، وعندما رفض فإنهم بدأوا يقاتلونه، وهكذا كان الإحتقان بين أفراد عائلة مسلمة، ولكن إذ بالأمر يخرج إلى القرية بأكملها، ويتحول إلى حرق للكنيسة.
وفي إمبابة وأطفيح نلاحظ أن حرق الكنيسة مستهدف، وهذه ظاهرة جديدة في حد ذاتها، فمنذ بدأت حوادت الكشح في تسعينيات القرن الماضي، كان الأمر لا يخرج عن مشاحنات، وتنحاز فيها الشرطة إلى جانب المسلمين على حساب المسيحيين، ويليها جلسات عرفية يقال أنها أصلحت بين الطرفين المختلفين. ومع حرق الكنيسة تظهر أصوات بعض السلفيين في فيديوهات على اليوتيوب، تدعو إلى حرق الكنائس، وتؤجج المشاعر ضد مسيحي مصر، زاعمة أن هناك أسلحة في الكنائس.
 لماذا تتكرر مثل هذه الأحداث ولنفس الأسباب تقريبا، وهو الدفاع عن فتاة مسيحية تأسلمت، أو فتاة مسلمة تقع في غرام شاب مسيحي. وفي كل الأحوال يتم تجاهل الضوابط الإجتماعية والشرعية المنظمة لمثل هذه السلوكيات، ويأخذ الأهالي على عاتقهم أن يحلوا الأزمة بأنفسهم، وبالعنف. سيقول البعض أن هذا يرجع إلى العادات والتقاليد المترسخة بين هؤلاء وهؤلاء، وقد يكون هذا صحيحا أحيانا، ولكنه ليس صحيح على المطلق، بالإضافة إلى أنه يستغل ليصبح الموقف ليس مجرد سلوك يعبر عن عادة، ولكن يخلق عداوات متأصلة.  وإذا إستمرت القناعة بأن كل فرد له الحق في أن يطبق ما يراه عقابا، فإن هذا الحال سيؤدي إلى فوضى مطلقة. وعندما نربط هذا الإتجاه الفوضوي، بذلك الإحتفاء الإعلامي بخروج عبود الزمر، ومحمد الظواهري، وتصريحهما بكل فخر بأنهما يعتمدا على "العلماء" في تبرير الإعتداء على الأشخاص أو النظام، تنتابنا الدهشة. لماذا يظهر مثل هؤلاء في هذا الوقت، وبهذه الجرأة، ولا يراجعهما أحد فيما يقولان، وينهاهما عن مثل هذا الأسلوب في التفكير.  ومحاسبتهما على مثل هذا الإتجاه لا يتناقض مع حرية الفكر والعقيدة، لأن هذا الأسلوب في معالجة الأمور يهدد أمن وسلامة المجتمع.  
وإذا ربطنا ما يحدث بكيف كان الإعلام الخارجي في بداية الثورة، يريد أن يظهر الإسلام السياسي، كما لوكان هو مفجر الثورة، والقادم إلى الأخذ بأمور البلاد، نجد أن هناك إتجاها ما ولأسباب معروفة، يحاول أن يبرز الإسلام السياسي بإعتباره صاحب اليد الطولى في مصر. ييبدو أن هذا هو أحد المقدمات كي  يعطي مبررا لإسرائيل كي تضرب مصر بصورة أو أخرى تحت مقولة الدفاع عن أمنها. هناك إذا تمنى خفي من جانب إسرائيل وأعداء مصر جميعا أن يجيء الإسلاميون إلى الحكم، وأن تظهر إحتقانات طائفية هنا، وهناك تبرر أيضا لدول أجنبية أن تتدخل.  هؤلاء وأولئك لا يريدون مصر قوية، ولكن للأسف فإنهم يعتمدون على المصريين في تحقيق طموحاتهم.
أين تقع هذه البؤر التي يخترقها أعداء مصر؟ إنها تقع بين الجهلاء الذي ينخدعون بأي شعار ديني، ويظنون أنهم يدافعون عن الدين، وذلك حتى في قضايا أخرى، مثل هذه التظاهرة التي قامت بها المتنقبات مطالبات بإستقالة شيخ ومفتي الأزهر، لأنهما لا يران أن النقاب عبادة، ويؤكدان أنه عادة. وهذا يدل على أن الجهل لا يتمثل فقط في عدم القراءة والكتابة، ولكنه يكمن في طريقة التفكير. وعندما يكون الآخرون أحاديي التفكير، واهمين أنهم يملكون الحقيقة المطلقة بإسم الدين – أي دين – فهذا يجعلهم عرضة لتغلغل الأفكار العدائية ضد بعضهم البعض.
لا ينبغي أن نبالغ في المخاطر، ولكن علينا أن نتحسب لها، ونضع سياسة طويلة المدى، تقضي على تلك الجهالة، لتخرج مصر أحسن وأحمل ما فيها. وحسنا فعل الشباب الذي خرج يوم الجمعة فوقف المسلمون مع المسحييين متضامنين، ومطالبين بمحاكمة كل ما تسبب في هذه الأحداث بعدل وشفافية، وعدم التباطؤ في تطبيق القانون. وإن كان هذا يدل على شيء فإنه يدل على أن مصر بخير، وينبغي أن نسير قدما نحو إستكمال أهداف الثورة العظيمة. 

Tuesday, May 10, 2011

مستقبل مصر ما بين الحداثة والمرجعيات الدينية د. علياء رافع


عندما نتحدث الآن عن مستقبل مصر، يكثر الحديث عن الحداثة والليبرالية من ناحية، أو المرجعية الإسلامية من ناحية أخرى، وأما الديمقراطية فهي خارج هذا التصنيف، لأن الجميع يتفقون على ضرورة إنشاء مجتمع ديمقراطي, قد يختلفون على كيفية تحقيقه. ويعتقد الكثيرون أن المرجعية الإسلامية تقف حجر عثرة أمام الحداثة، ويعتبر ذوو الإتجاه الإسلامي أن الحداثة تؤكد على التجربة الإنسانية دون حاجة إلى إرشاد التنزيل الإلهي، أي أنهم يتصورون أن هناك ترابطا حتميا بين الحداثة والعلمانية، ومن هنا سيعتبون أن العلمانية نقيض للمرجعية الدينية.
والحقيقة أن هذه التناقضات الصارخة بين هذه المصطلحات تعود إلى إختلاط الأمور، والنظر إليها دون إلتفات إلى السياق التاريخي والثقافي لنشأة هذه المصطلحات. هذا من ناحية، وأما من الناحية الأخرى، فلا بد أن يكون الإسلام، بل وكل الأديان داعية إلى كل المباديء النبيلة من مساواة وعدل وحرية. وأيضا يجب أن نتفق أنه لا يمكن أن يكون هناك دين يأمرنا بالطاعة العمياء دون تفكر وتدبر، أو تقديس الأقدمين دون مراجعة. بإختصار شديد فإن هذا التناقض الحاد بين الحداثة والمرجعيات الدينية لا ضرورة له من الأساس. وقد يعود هذا التناقض إلى النظر إلى تلك المصطلحات بإعتبارها مفاهيم جامعة مانعة لا تتطور، وهذا مخالف لما يحدث على أرض الواقع.  
 نجد أن مفهوم الحداثة قد إرتبط بإعلاء قيمة العقل، وإتباع المنهج العلمي في كل مجالات الحياة، مما أدى إلى تقدم المجتمع الأوروبي في القرن التاسع عشر ، وقد وصل الغرب إلى هذه الرؤية بعد مراحل عديدة من محاولات  لفصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية من خلال ثورات متعددة هنا وهناك. ومن ناحية أخرى فإن الحضارة الإسلامية التي أشرق نورها في العصور الوسطي، ودعوة الإسلام إلى إستخدام العقل، وتطور العلم والمعرفة عند العلماء المسلمين الذين أستوعبوا ما وصلت إليه الحضارات المختلفة شرقا وغربا، كان لهذه الحضارة العظيمة أثرها في إيقاظ وعي الأوربيين الذي أخذوا ينهلوا من معارفها في عصر النهضة، وتفتحت أمامهم أبواب للمعرفة ومناهج للبحث إستفادوا منها أيما إستفادة، والتي قادتهم لاحقا إلى "الحداثة". يمكن القول أن التقدم الغربي تقف وراءه الحضارة الإسلامية بما قدمته من علم ومعرفة وثقافة.
وإذا رجعنا إلى العالم الإسلامي، سنجد أنه قد أصابته نكسة إبان الدولة العثمانية، خاصة في شيخوختها،  وضاعت تلك الجذوة الحضارية للإسلام تحت تأثير الإهتمام بالحرفية الدينية وانحسار التعليم في العلوم اللغوية والفقهية.  وفي أعقاب الحملة الفرنسية عام 1801، إنتبه المصريون إلى تلك الفجوة التي قامت على غفلة منهم بين المجتمع المصري وبين المجتمع الأوروبي، وكان هذا الإنتباه دافعا لمحاولة القفز لسد تلك الفجوة.   ولذا قام به محمد علي بإرسال البعثات العلمية إلى فرنسا، والإستفادة منها في إنشاء دولة حديثة، وارتبط إسمه بها ، وإستمر النموذج الغربي للتنمية مهيمنا على أسلوب التقدم في المجتمع المصري من خلال إنشاء مؤسسات حديثة، مثل تحديث الدواوين الحكومية، وإنشاء جيش قوى، وتغيير النظام التعليمي. وتم كل هذا دون الإلتفات إلى القاعدة العريضة من الريفيين والفقراء من هذا المجتمع، وإستخدم الفلاحون عن طريق السخرة في حفر قناة السويس، حيث مات آلاف من المصريين، وإختلطت دماءهم بالأرض التي حفروها لبناء هذا الشريان الذي أصبح شريانا حيويا لصالح الإقتصاد المصري.  أقول قولي هذا لأن الحداثة التي ظهرت في مصر كانت على مستوى أسلوب التفكير بين الصفوة، ولكن لم تأخذ بعدها التنموى الشامل. 
وفي بدايات القرن العشرين، ظهر كثير من الرواد والمفكرون الذي حملوا شعلة التنوير والتحديث الفكري، ولكن دون إهمال الثقافة المصرية، وأذكر على سبيل المثال قاسم أمين الذي إقترن إسمه بتحرير المرأة، وقد خاض حربا ضارية ليدافع عن حقوق إنسانية للمرأة، أنكرها الكثيرون عليها تحت إسم الدين، والدين منها براء. ولم يجد قاسم أمين مناصا من اللجوء إلى المرجعية الدينية، وإستخدام أمثال من التاريخ، ومن القرآن والسنة ليعضد موقفه. وإذا كان رفاعة الطهطاوي شجاعا عندما دعا إلى تعليم المرأة، فإن قاسم أمين كان مجاهدا عندما دعا إلى رفع حجاب الوجه، وخروج المرأة إلى العمل.  لم يكن الدين سببا في هذا التدهور الذي أصاب حالة المرأة المصرية، ولكن أثر إستخدام الدين سلبيا على مكانة المرأة لأنه سخر في ترسيخ فكرة السيادة الذكورية، والتقليل من شأن المرأة، وحصر نشاطها في الإطار الخاص دون الإطار العام. ولهذا كانت دعوة قاسم أمين حداثية دون أن تكون خروجا عن المرجعية الدينية.
وظهرت حركة الإخوان المسلمين في نهاية العقد الثاني من القرن العشرين إستجابة لضرورة تواجد منبر إسلامي حضاري، يحاول أن يثبت أن الحضارة الإسلامية رافدا هاما من روافد النهضة. ولكنه تحولت الجماعة  تدريجيا من جماعة تعبر عن فكر إسلامي حضاري، إلى جماعة سياسية، تنخرط في صراعات القوى الموجودة على الساحة. ولكن ما يهمنى في هذا المكان هو أن أوضح أن الإحتياج إلى ربط بين الأصول الثقافية المصرية خاصة الإسلامية منها وبين التقدم كان ملحا حفاظا على الهوية الثقافية في ذلك الوقت.. وكان لرفض النموذج الحداثي الغربي ما يبرره.  وعلى الرغم من أن البنا لم يستخدم عبارة "مرجعية دينية إسلامية" بالمعنى الذي يستخدم به اليوم، ولكن من المؤكد أنه أراد أن يقدم نموذجا سياسيا شاملا منبثقا من مرجعية إسلامية.
ومع تطور طبيعة المجتمعات والتقدم التكنولوجي الهائل الذي كسر الحدود الزمنية والجغرافية، وأصبح تنقل الإنسان والأفكار والإعلام والبضائع وكل شيء متاحا للجميع، أصبحت هناك روافد فكرية متعددة للأفراد الذين يعيشون في المجتمع الواحد، ولم يعد ذلك التماسك الفكري الثقافي أمرا ممكنا، وهو ما أدى إلى ظهور مصطلح ما بعد الحداثة، الذي يصف هذا التشابك المعقد بين الإنسان والفكر والثقافات، ويرصد تداعي النظريات الكبرى والأيديولوجيات الجامدة، وتهاوي ما كان يطلق عليه مطلقات. وأخذ مفكرو ومنظرو ما بعد الحداثة في مهمة رصد الواقع، دون محاولة لدراسة كيف يمكن إعادة تشكيله، إذ أنهم باتوا ويدركون أن أي محاولة للتدخل من الخارج ومن فوق غير ممكنة، فلقد فلت الزمام، وأصبحت المجتمعات والأفراد يحددون إتجاه الحركة، ويطورون من أفكارهم بصورة ديناميكية.
في ظل واقع ما بعد الحداثة، لم يكن ممكنا توقع تلك الأحداث المتلاحقة في المنطقة العربية والتي بدأت بتونس، ثم مصر، وإنتشرت إلى باقي بلدان المنطقة. ولعبت التكنولوجيا ووسائل الإتصال الحديثة دورها الهام في التراكمات الإحتجاجية التي أدت إلى تجميع الشباب على الفضاء الإقتراضي أولا، ثم ظهورة على الأرض مؤيدا بجموع الشعب المصري في ظاهرة غير مسبوقة بهذا الزخم وهذه القوة. ولكن بعد تلك المرحلة الأولى نعود إلى  ما بدأنا به وهو مصر إلى أين؟ 
أقول أنه في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ بلدنا سنجد أن تلك الخطوط الفاصلة بين مباديء الحداثة والمرجعيات الدينية ليست بتلك الحدة، لأن المرجعية الدينية القائمة على محاولة فهم المباديء الأساسية للإسلام أو للمسيحية، ستصل بنا إلى المباديء الحقوقية التي إتفق عليها الإجماع العالمي بدءا من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وسنجد أن ثقافتنا المصرية سترفض بعضا من التجاوز الأخلاقي الذي ظهر في بعض المجتمعات التي لا تتقيد بالمرجعيات الدينية. ولهذا فإن تخطي بعض الإتجاهات الدينية التي تريد أن تحبسنا في سجن الماضي ضرورة من أجل القفز إلى ثقافة التقدم التي تآزرها المباديء الأساسية لكل الأديان وخاصة الإسلام. وهذا لايمكن أن يتم بقمع الأفكار السلفية، أو محاولة التحكم في المسار الفكري فوقيا، وإنما سيكون ممكنا في ظل مناخ حر، يتاح فيه للجميع أن يتفاعلوا فكريا وثقافية، ولن يكون ممكنا التكهن بما يمكن أن يتمخض عن هذا المناخ الحر، ولكن على الجميع أن يقدم رؤيته ويتفاعل مع رؤي الآخرين.
أما على المستوى التنظيري البحت فيمكن القول أن خلق مجتمع يتطلع إلى المستقبل ولا يسجن نفسه في الماضي يتطلب الإستفادة من التجارب الإنسانية في كل مكان، وهذا هو المعنى العصري للحداثة. ذلك أن نموذج التقدم في القرن التاسع عشر لا يصلح أن يكون نموذجا للتقدم في القرن الواحد والعشرين، ولقد تبين للإنسان في أنحاء العالم أن الأخلاق وليس العقل وحده أساس للتقدم، ولذا إنبهر العالم بالثورة المصرية التي جمعت قيما أخلاقية حضارية عالية، وبين قدرة تنظيمية رائعة، ومهارات تكنولوجية عالية.
مصر في حاجة إلى الإيمان كمرجعية وجدانية تثرى سعي الإنسان المصري في بناء مستقبله، وهو إيمان سيساعد على قراءة التعاليم الدينية ليس بطريقة حرفية جامدة، ولكن بقدرة تأويلية عالية، ويكون الواقع هو الموجه إلى تلك القدرة الإبداعية على التأويل، وليس محاولة فرض الفكر على الواقع وإغلاق منافذ الإبداع في الرؤية والعمل. هذه القدرة الخلاقة ستصبح مهارة تساعد المواطن المصري أن يبدع في كل مجالات النشاط الإنساني الأخرى، فكريا وعلميا وفنيا، حينئذ لن يكون هناك تعارض بين الحداثة وبين المرجعيات الدينية.  

حزب يعبر عن روح الثورة د. علياء رافع


أثناء قيام الثورة، كانت أعصابي كلها مشدودة إلى الميدان، أتتبع الأخبار، أصلي وأدعو أن يكتب الله لهذه الثورة أن تحقق أمانيها، ولم يكن في إستطاعتي أن أمسك قلما أو أخط خطا، لأكتب مذكرات الثورة وأحداثها. واليوم عندما علمت عن تكوين حزب يريد أن يكون تعبيرا عن روح الثورة، دون الإدعاء بأنه الحزب الوحيد الذي يملك هذا الحق، تفجرعندي الكثير من الأحاسيس والأفكار التي ملأت وجداني أثناء الثورة. 
وعلى الرغم من النجاح العظيم لهذه الثورة لتحقيق خطوة كبرى في مسار آمالها وطموحاتها، كان هناك الكثير مما يجعل الكثير منh قلقا، خائفا، راجيا أن تكتمل خطوات النجاح على خير. وبدا أن بعض نقاط القوة في هذه الثورة، هو نفسه نقاط ضعفها.  ذلك أن خلو الساحة من قيادة تمثل القائمين بها،  أوجد تخوفات كثيرة من قدرتها على الإستمرارية، ومازال.  ذلك أنه على الرغم من السير الحثيث نحو تحقيق الأهداف، إلا أن القوى المضادة للثورة مازالت تعمل. ومع أن هناك تحسنا ملحوظا في الحالة الأمنية، إلا أنه لم يصل بعد إلى الدرجة المطلوبة. مازال المستقبل ضبابيا بالنسبة لقدرة الأحزاب الجديدة على التكوين وعلى بناء شعبية. ومازال التخوف قائما من أن يكون المجلس البرلماني غير معبر تعبيرا حقيقيا عن القوى الوطنية في مصر، وبالتالي لن يكون الدستور معبرا كذلك عن روح هذه البلد وتطلعاته. وهذه التخوفات ليست وهمية ولكنها تخوفات حقيقية.  تلك التخوفات زادت نتيجة لما يحدث على الساحة الآن، ولكنها بدأت منذ رحيل مبارك.  
منذ نجاح الثورة في خطواتها الأولى، كنت أتساءل عن كيفية إستمرارية روح الثورة التي تجسدت في ميدان التحرير، حيث سقطت الأيديولوجيات والفروق بين الأدين، وبين الطبقات وبين المهن. وهي ثورة شارك فيها الرجال والنساء معا، وكان الإحترام والتعامل الراقي بين الجنسين على أعلى مستوى، حتي أنه لم تحدث حالة تحرش واحدة بين هذه الملايين التي تتجمع في مكان واحد، كان حب مصر قيمة عليا طهرت النفوس، لأنه حب مبني على قيمة الحرية التي جعلها الله معنى لإنسانية الإنسان. وكلنا يعلم كيف كان التنظيم داخل الميدان أعلى ما يكون من حيث الكفاءة والدقة، والمحافظة على نظافة المكان، وروح التعاون والتضامن، وتوفير الإحتياجات الأساسية للمتظاهرين من طعام وشراب، بل وإنشاء محطات علاجية، وتجهير حجرة عمليات للحالات العاجلة في مكان قريب من الميدان.
كنت عللى يقين أن هذه الروح إذا إستمرت، ستقفز مصر قفزات هائلة لا يمكن أن يتوقعها أحد، وكنت أناقش أحد الشباب معبرة له عن أملي في أن نجد وسيلة ونساهم فيها كي نحفظ هذه الروح الوليدة التي في حاجة إلى عناية ورعاية فائقة. فلا يكفي أن نفرح برحيل فرد، أو حتي نظام بأكمله، ولكن لا بد أن تعبر هذه الروح عن نفسها من خلال سياسات مستمرة، تشجع كل مصري أن يعمل بكل طاقاته من أجل صالح مصر، كل من موقعه، ولكن في تآزر ومحبة. 
كان من ضمن المخاوف التي بدت للعيان هو ظهور بعض الأحزاب التي تحمل إسم الثورة مثل الإعلان عن حزب "ثورة 25 يناير"،  وعلى الرغم من فرحتي الساذجة بالإعلان عن هذا الحزب في بداية الأمر، إلا أنني سرعان ما تبينت أن أي حزب يطلق على نفسه هذا الإسم، لا بد أنه حزب يريد أن يسرق الثورة، ولا يعبر عنها، لأن من قام بالثورة  الشعب المصري كله، وما أشعل بدايتها الأولي شباب لا ينتمون إلى حزب واحد، ولكنهم ينتمون إلى أيديولوجيات كثيرة، ولكن جمعهم هدف واحد. وأصبحت أكثر قلقا من ظهور أحزاب تتصارع على سرقة ما حققته الثورة وتعمل على الإستفادة من هذا النجاح  لحساب فئة قليلة، ولا تتجه إلى المجتمع كله. وإشتعلت في رأسي فكرة قيام سياسة للدولة لا تنتمي إلى أيديولوجيا بعينها، ولكنها تجمع المصريين من مختلفة الأيديولوجيات، ويكون توجهها إلى الأهداف والأولويات التي تحتاجها مصر، وأن تساهم في إستثمار روح الإنتماء الكبيرة التي ظهرت أثناء الثورة. سياسة تحرك كل قضايا المجتمع من خلال قضية محورية، وتصورت أن القضاء على الفقر قد يكون بداية حقيقية، ستساهم في تغيير السياسات التعليمية والخدمات الصحية، والتوجهات الإقتصادية، وغيرها.  أي أن روح الثورة يجب أن تستمر في نظام كامل. كانت تلك أفكار عامة تريد أن تتبلور في رؤية متكاملة، مدعمة بدراسات مختلفة.
وفي محاولة لرؤية ما يحدث على أرض الواقع، راعني تلك الإئتلفات، والإتحادات، والجبهات، والتجمعات المختلفة التي أصبحت تدرك أن الفرقة والتفكك هو السلاح الذي سيتمكن من خلال القوى المناهضة للثورة أن تضربها، وتعيد البلاد إلى القوى القديمة تحت أسماء جديةد، وبشعارات خادعة. ولهذا فلقد طرحت هذه الرؤية جانبا، وأصبحت أكثر إهتماما بتدعيم الشخصية الرئاسية التي أشعر أن مصر ستكون في أمان معها، ولم أجد خيرا من د. البرادعي مرشحا، محققا لتلك الرؤية، ولم يكن عندي شك في أنه سيكون ممكنا لكل فرد أن يجد مكانه الذي يتمكن فيه من العطاء لمصر.
و في يوم الجمعة 6 مايو، جاءني خبر سعيد أن هناك حزبا قد أعلن عن وجوده بالفعل، وأخذ العدد المطلوب من التوقيعات الضرورية، وهو حزب العدالة ويتبني روح الثورة من حيث عدم الإنتماء إلى أي أيديولوجيا بعينها، ولكنه يجمع تحت مظلته كل الألوان والأطياف، ويرفع شعر العدالة بإعتبار الرؤية المحورية التي توجه برامجه الإستراتيجية. ولا تتمثل رئاسته في فرد، ولكنها هي مجموعة من المؤسسين الذين يحلمون بأن تستمر روح الثورة. وسعدت ببعض أسماء الأعضاء المؤسسين الذي أعرف وطنيتهم وأطمئن لإخلاصهم. ويعتبر هذا الحزب فريدا من حيث أنه إختار من الشخصيات العامة مستشارين دون أن يكونوا بالضرورة أعضاء في الحزب. وكذلك فإنه إلتزم بالإعلان عن الجهات التي تمول الحزب من خارج الأعضاء.  وأتمنى أنه إذا تواجدت تجمعات تحمل هذه الروح، أي تحمل "روح الثورة" التي تهتم بالهدف، وتسعي لتحقيقة عن طريق الدراسة والتلاحم مع المجتمع، وليس عن طريق فرض نظرية، وإتجاه، والصراع من أجل الغلبة والقوة، أتمنى أن تتحالف كل هذه القوى الحزبية المتشابهة في كتلة واحدة، وتنظم نفسها الأن لكسب شعبية على أرض الواقع، حتي يجي مجلس الشعب القادم معبرا عن روح الثورة، وليس عن أيديولوجيات أحادية الرؤية، تناور من أجل السلطة، ولي من أجل مصر.
ويبقي العمل السياسي أوسع كثيرا من العمل الحزبي، إذ أن العمل السياسي هو العمل المؤثر في المجتمع بصورة فعالة، وهو ذلك الذي يطور من البناء القاعدي فكريا وعلميا وإقتصاديا، ولقد إتفق بعض من منظري علوم السياسة والإقتصاد أن المجتمع المدني والنشاط الأهلي سيكون له قوة مؤثرة في التوجهات السياسية في مرحلة ما بعد الحداثة. وفي الواقع فإن حزب العدالة الذي إستطاع أن يتخلص من الأيديولوجيات الحاكمة فإنه يعبر عن عصر ما بعد الحداثة، وسيكون نجاحه رهن بإستمرارية قدرته على جمع المختلفين أيديولوجيا نحو أهداف، والتوافق المبدع من أجل حل الكثير من قضايا المجتمع المتشابكة.  

Tuesday, April 26, 2011

حتى لا يمارس التمييز تحت مقولة الحرية د.علياء رافع


أذكر في هذا المقال أكثر من موقف، أعتبره بمثابة أجراس إنذار لما يمكن أن يحدث إذا ما أسيء فهم معنى المناخ الحر، وأري أنه بجب وضع مرجعيات مبدئية واضحة يلتزم بها الجميع. ويتفق الجميع أن إحترام القانون هو أحد تلك المرجعيات الأساسية، ويجب أن تكون تلك القوانين إنعكاسا لما إتفق عليه في الدستور. وإذا كنا بصدد وضع دستور جديد، سيتمخض عنه باضرورة مراجعة القوانين الموجودة، وتعديلها إذا تطلب الأمر ذلك لتتناسب مع الدستور الجديد، وقد يتطلب الأمر كذلك إستحداث تشريعات جديدة.  ومن هنا فإنني أؤكد على أهمية المادة التي تؤكد على عدم التمييز بين المواطنين نتيجة للدين أو الجنس أو العرق.  ولا مناص من أن تتحول هذه المادة من إتفاق ورقي يكتب في الدستور إلى مبدأ أخلاقي ييتنشر ثقافيا بين المصريين. أقول قولي هذا ولقد لفت نظرى بعض الأحداث التي أريد أن أعرضها لتبين خطورة التمييز على مستقبل مصر.
أولا: ماحدث في قنا، فلقد كتبت الأقلام عن أحداث قنا، وتنباينت الأخبار ما بين من يقول أن إحتجاج أهل محافظة قنا على تعيين المحافظ يرجع إلى  تاريخه الأمني، وبين من يتحدث عن قبطيته. وإذا كان من حق كل المواطنين في ظل جو الحرية الذي نتطلع إلى تأكيده أن يتظاهروا سلميا معترضين على تاريخ هذه المحافظ أو ذاك، ولكن ليس من حقهم أن يعترضوا على دينه. ولقد أساءني أن أستمع إلى مداخلة من المتحدث بإسم السلفيين وهو يقول بكل صراحة أنه لا يعتبر المسيحيين اليوم مؤمنين، بل يعلن صراحة أنهم كفرة من وجهة نظر المسلمين، وذلك في برنامج من أكثر البرامج الحوارية مشاهدة لما يتمتع به مقدمه من درجة عالية من المهنية، وهو برنامج "آخر كلام". بل ويتحدث عن رأيه "الإسلامي" في عدم  جواز أن يأخذ القبطي أو المرأة مركز رئاسة الجمهورية.  وإذا بي أفاجأ عند مناقشتي لهذه القضية مع بعض المصريين  أنهم يدافعون عن هؤلاء الذي يفرقون بين المصريين، مدعين أن هذا هو جو الحرية الذي يبنغي أن نتقبل فيه الآراء المختلفة، وأن يعبر الناس عما يجيش في صدورهم.
وإذا كان حق الإختلاف حق من حقوق الإنسان، فإن حق الإختلاف الذي يسمح للبعض أن يستبعد أو يتهجم على عقائد الآخرين، أو ذلك الذي يبني على إختلاف العقيدة أوضاعا مدنية أو إجتماعية، فإن هذا الرأي يقع في تناقض مع حق الإختلاف، أي أنه ليس إنطلاقا من حق التعبيرعن الرأي أن يوضع تصنيفا مجحفا لأي من البشر. وإذا كان من حق كل إنسان على المستوى الفردي أن يتخذ موقفا من معتقدات الآخرين فيرفضها أو يقبلها، ولكن ليس من حقه أن يجعل رأيه حكما عاما، تبني عليه سياسات دولة. والأكثر خطورة أن يبنى هذا الموقف المتعصب على معتقدات دينية. ولأكون أكثر صراحة فإنه من الواضح أن النصوص الإسلامية قد أنكرت أي تجسيد لله في بشر، نزهت الله عن كل صورة أو شكل، وقد يكون هذا خطا فاصلا بين عقيدة المسلمين وبين عقيدة البعض من المسيحيين.  فليكن هناك إختلاف عقائدي جوهري بين كل من المسلمين والمسيحيين، ولكن لا يجب أن يترتب على هذا الإختلاف أي تفرقة في المعاملة بين الفريقيين، طالما أنهما يشتركان في وطن واحد. ولتحترم كل جماعة الحق الإنساني في أن يختار كل إنسان عقيدته. ولهذا فإننا لا يجب أن نتوقف عند ما حدث في قنا على أنه مشكلة تختص بهذه المحافظة فقط وطبيعتها القبلية وتركيبها الديموجرافي، ولكن علينا أن نقرأ منها  جانبها الديني أيضا، وما يمكن أن يحدث في المستقبل إذا تم تغذية هذا الإتجاه، وإذا ما سمح للبعض تحت مناخ الحرية أن يفرض عقيدته على الآخرين، بل يفرض قراءته للشريعة على النظام العام للدولة المدنية وقوانينها بما يفرق بين المواطنين ويمايز بينهم.
ثانيا: إتاحة الفرصة لمن ينكر مساواة المرأة بالرجل أن يأخذ أبواقا داخل الإعلام والجامعات، وأقول قولي هذا بمناسبة قراءتي لإعلان في كلية البنات عن ندوة تقوم بها شيخة إختارتها الطالبات لتقوم بنشر الفكر الأصوليى المتشدد داخل الكلية، وموضوع المحاضرة "الشريعة الإسلامية"، وعندما تحدثت مع المسئولة عن رعاية الشباب في الكلية، فقالت لي أن هذه السيدة ستتحدث عن "سماحة" الشريعة الإسلامية، وهو ما لم يكن واضحا في عنوان المحاضرة, وعلمت بعد ذلك أن داخل بيت الطالبات مجموعة تحاول أن تشيع الفكر المتشدد الذي يدعو الفتنيات إلى إرتداء النقاب، وأن هذه المحاضرة ممن يقتنعون بهذا الإتجاه.  وأيضا دارت بيني وبين المسئولة عن رعاية الشباب حديثا عن الحرية، وأكدت لي بصوت هاديء وقناعة واضحة أنه من حق الفتاة أن ترتدي ما تشاء نقاب أو غيره.  وعلى الرغم مما يبدو من هذه العبارة من أنها إحترام لحق التعبير،  ولكن هذه الرؤية تحمل  الكثير من المغالطات.   إضافة إلى الخطورة الأمنية لإنتشار هذا الزي، نجد أن النقاب في حد ذاته بما فيه من إخفاء لملامح المرأة الذي ترتديه، فإنه يلغي شخصيتها وتفردها الإنساني الذي هو حق لها كما هو حق عليها. ناهيك عما فيه من تناقض مع الفكر الإسلامي، وهو ما لن أتعرض له في هذا المقام.
يحمل هذا الزي  تمييزا اضحا ضد المرأة، بل ويؤكدها بما يحمله من أفكار عن "العورة" ، و"الفتنة" وغيرها من الأفكار المريضة، ويقلل أيضامن شأنها، بل ويهين إنسانية الإنسان، بإعتباره عبد لغزيزته. ليس هناك إختلاف بالطبع في ضرورة الإحتشام وإحترام المجتمع الذي نعيش، فيه للرجاء والنساء على حد سواء. نحن هنا تحت زعم الحرية، نتيح لأفكار التمييز ضد المرأة أن تنتشر.
ثالثا: أفزعني هذا الإحنتلاط في الخطاب بين حق المجتمع في محاكمة رموز الفساد في العهد البائد، وبين ما يقال أنه شعور بالشماتة.  أعتقد أنني وغيري من المصريين كنا نتمنى أن يحدث الإصلاح من داخل النظام، ولكن تبين لكل مصري أن المجتمع كان غارقا في فساد لا يمكن القضاء عليه إلا بالقضاء على النظام نفسه. هكذا كان فضل الله علينا بتفجير هذه الثورة، وإكتشفنا ضمن ما إكتشفنا أن مقعد الرئاسة أغلى على الرئيس المتخلي من حياة شباب عظيم، كان خطؤه الأعظم أنه رفض القمع والقهر، فأمرمبارك  بقتله دون أن تأخذه فيه شفقة أو رحمة. كل شهيد سالت دماؤه له حق علىنا جميعا.  وكان الرئيس السابق ينوي أن يلصق بهذا الشباب الطاهر المزيد من جرائم الشغب التي قام هو بإرتكابها، ويعاقبه عليها، وهذا هو التفسير الوحيد لتباطئه في إلقاء خطابه يوم 28 يناير، وعدم تقديم العزاء للشهداء يوم 1 فبراير.
كانت الثورة ومطالبها  بالنسبة له شغبا يجب أن يقضي عليه بكل الوسائل.  وفي سبيل التمسك بالحكم أغرق البلاد في فوضى كادت تقضي على إقتصادها وأمنها القومي. لم تكن مصر وشعبها أولوية في حسابات الرئيس السابق، ولكن كانت أسرته ومقعده أهم عنده من كل شيء. ولهذا ترك أعوانه يعيثون فسادا ليؤمن وجوده بينهم.  عندما سقطت الأقنغة، فإن ما قيل أنه إنجازات للنظام السابق، أصبحت ذرائع إستخدمها كي يبقي في السلطة. وكما قال لي أحد المتظاهرين من أساتذة الجامعة الذين إلتقيت بهم في الميدان وهو يبكي : "مصر تستحق أكثر من هذا بكثير، كيف تسبقنا كوريا وماليزيا وغيرها من الدول التي بدأت معنا حركات التحريروالإستقلال.. نحن المصريين قادرون على أن نجعل مصر دولة عظمى.. لماذا يمنعونا من العطاء لبلدنا".
 إن من قتل روح شعب، يستحق العقاب العادل دون شماته. أما عدم العدل معه ومع أعوانه جميعا فإنه يعني إستهتارا بأرواح أزهقت، ودماء سالت، وآمال تحطمت، وحياة بشر ضاعت، وفرص أهدرت. ألا يستحق هذا الوطن منا أن نحاسب من لم يحفظ الأمانة؟
المساواة والعدل ليست كلمات توضع في جمل مفيدة في دستور مكتوب، ولكنها قيم يجب أن نطبقها على كل المستويات، يكون التشريع وتطبيقه مؤكدا لها، وتكون ثقافتنا وسلوكنا واصفا لتطبيقها، وبدون المساواة والعدل تختلط الحقوق ونفقد القدرة على إستعادة مكانتنا التي نتسحقها. إذا قامت لمصر قائمة فإنها ستكون ملهما للعالم أجمع في طريقه نحو الحرية، تلك الحرية التي لا تقلل من قيمة الإنسان، ولا تعطي للبعض حق في إحتقار الآخرين، ولا تسمح بإختلاط العدل مع الإنتقام، وبين التهاون في الحقوق تحت التسامح. إنها الحرية التي تغذيها قيم أخلاقية إنسانية عاشتها مصر في تاريخها العظيم، وعلينا أن نعيد إستيعابها وتطبيقها.     

Thursday, April 21, 2011

عندما يساء إستخدام فكرة الديمقراطية د.علياء رافع


لقد ساءني كثيرا أن يربط إعلامي كبير مثل حمدي قنديل بين ممارسة الديمقراطية وبين الشخصيات التي تحتل مناصب قيادية في مراكز دولية، فلقد قال أنه نتيجة لأن  د. البرادعي والسيد عمرو موسى يشتركان في أنهما أدارا منظمات كبرى لوقت طويل فهو يخشى ألا يستطيع أي منهما أن يكون ديمقراطيا عندما يجيء إلى الحكم ، ويقول معللا ذلك لأنهما بحكم موقعهما القيادي لم يتعودا أن يتقبلا أي كلمة نقد أو رفض لما يقولا.    ساءني هذا القول أو هذا الإستنتاج لأنه غير قائم على ربط مقدمات بنتائجها. إن إستمرار كليهما في المناصب القيادية لفترة طويلة يعني أنهما أثبتا كفاءة ، كل في مؤسسته التي ترأسها. وهو يقيس على ما يحدث في مجتمع مثل مجتمعنا، حيث غابت آليات ووسائل المراقبة. أما عن المنظمات الدوية فإن الجميع يعلم ية لها نظام هيكلي وإداري متقن، ولا يمكن أن ينفرد فيه المدير بإتخاذ القرار على الإطلاق، بل يجب أن يبني أي قرار على دراسة مستفيضة يسهم فيها فريق العمل المشارك له، ولا بد من التداول معهم للنظرة إلى الأمر من مختلف الأوجه، ويتحمل نتائج القرارات الإستراتيجية المدعمة بالمعلومات الضرورية والأساسية.  مثل هذه القرارات لا تقوم على أراء، وإنما تقوم على معلومات وإستراتيجيات متفق عليها. ولهذا فإن د.البرادعي عندما نال جائزة نوبل للسلام، نالها بإعتباره جزء من منظمة دولية، ونالت هذه المنظمة معه هذه الجائزة.
ومن ناحية أخرى فلقد شهدت أيضا إجتماعا آخر، كان المتحدث فيه قيادة سياسية معروفة، أفصحت عن مقاطعتها لأحد الأحداث السياسية الهامة في ذلك الوقت، وعبرت تلك القيادة عن الأسباب في وضوح، ولكن كثير من الحاضرين كان لهم رأي مختلف، فأخذوا يبدون إعتراضاتهم على هذا القرار الخاص بهذه القيادة، وإقترح أحدهم أن يؤخذ تصويت في هذا الشأن، وما كان من هذه الشخصية  إلا أن قالت بهدوء وبحسم أن هذا القرار نابع من موقف أخلاقي غير قابل للمناقشة.  كان الإقتراح بالتصويب غريبا للغاية، إذ أن  من حق المستمعين أن يعرفوا السبب في  إتخاذ هذا القرار، وقد يختلفوا أو يتفقوا معه، ولكن ليس من حقهم أن يضغطوا عليه  لتوجيهه تبعا لرغبتهم ، خاصة وأن هذا القرار يتعلق بمبدأ أخلاقي طرحه بوضوح.  وقال البعض أنهم بهذاالشكل يمارسون حقهم الديمقراطي.
أذهلني أن يحدث هذا بين مثقفين ونخبة من المجتمع المصري، وأساءني أيضا هذا الموقف مثلما أساءني ما قاله الإعلامي حمدي قنديل،  ذلك أن الديمقراطية أصبحت كلمة تطلق على أي ممارسة ضغط عن طريق أغلبية أو حتي أقلية تستميل عددا من الناس من أجل أهداف ما، قد لاتكون في صالح المجتمع الذي تنتمي إليه. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن ليس كل قرار، أو موضوع قابل لأن يؤخذ فيه تصويت الأغلبية. على سبيل المثال القرارات الإستراتبيجة لا تؤخذ إلى بناء على دراسات وتحليلات علمية، وتلك الدراسات هي التي تقيد القيادة التي قد تكون فردا أو عددا من الأفراد في إتخاذها قرار ما من القرارات.  
وعندما ننتقل من هذه المواقف الفردية إلى المجتمع، فإن هذه الكلمة نستخدم كثيرا لتعبر عن رغبتنا في أن يكون الشعب هو مصدر السلطات، وأن إرادته يجب أن تحترم. وفي سبيل هذا الهدف فهناك الكثير من النظم السياسية التى تهدف إلى الوصول إلى  هذا الغرض، والتعبير في أغلب هذه النظم يعتمد على ممثلين للشعب، يضمهم المجلس أو المجالس البرلمانية. ولكن كيفية عمل هذه المجالس النيابية، ونوعها وعددها وطريقة ترشيح أفرادها تتنوع من بلد إلى آخر. ولكن أهم ما في الأمر هو أن يجيء هذا المجلس البرلماني ليكون معبرا بالفعل عن كل أطياف الشعب وطبقاته. أما إذا كان هذا المجلس هو نتاج لقدرات المرشحين المالية في تقديم رشاوي في صورة خدمات خاصة، أو جوائز عينية، أو عملة نقدية، فإن نجاح هؤلاء المرشحين لن يكون معبرا عن إرادة الشعب. وبالتالي فإنه في مثل هذا المجتمع لن تكون هناك ممارسة للديمقراطية، على الرغم من أن هناك مجلسا نيابيا. ولذا فإن إقامة ديمقراطية يتطلب منظومة أخرى من التنظيم، حيث لا بد أن يتوافر الوعي السياسي، وأن يكون هناك مناخ حر، وشفافية، ونتيجة حقيقية للتصويت وليس نتائج مزورة
لقد إنتهكت الديمقراطية كثيرا في بلدنا، ولم تكن المجالس النيابية منذ قيام ثورة 1952 وإلى رحيل مبارك معبرة عن الشعب، وممثلة له، ولكنها كانت تمثيلية هزلية تحتفظ بالشكل الديمقراطي، بينما الحقيقة أنها تخلو من أي مضمون أو فاعلية. وإذا نظرنا إلى مجتمعنا الآن، فإنه على الرغم من تغير المناخ في المجتمع، والإقبال الهائل على المشاركة السياسية، إلا أن هذا لايعني أن أي تصويت سيكون معبرا عن الإرادة الشعبية.  ولكن البديل هو خروج الناس في مظاهرات مليونية مطالبين بإستكمال مسيرة الثوة. تلك المظاهرات المليونية المتوالية، تشيرإلى أن الشعب فرض إرادته، وأن مصر تشهد الآن مشهدا رائعا من الحرية والديمقراطية، خاصة وأن المطالب في هذه التجمع المليوني لا ينحرق قيد أنمله عن المطالب التي أعلنتها الثورة منذ بدايتها. ولكن ليس من المعقول أو المقبول أن تكون هذه هي الطريقة الوحيدة التي يعبر بها الشعب عن نفسه، من المنتظر أن يتم تكوين مجالس نيابية يفترض أن تكون ممثلة للشعب.
وتبدو الخطورة  في الكيفية التي ستدار بها العملية الإنتخابية لتكوين المجالس النيابية القادمة ، فهل ستكون تلك المجالس معبرة فعلا عن الشعب، أم ستكون في يد المجموعة الأكثر تنظيما، والقادرة على شراء أصوات الناخيبن. إن ما حدث في الإستفتاء على التعديلات الدستورية قد أشار إلى أنه من خلال ممارسة الديمقراطية، إستغل البعض البسطاء، وزيف البعض وعيهم عندما ربطوا بين التصويب بالموافقة وبين الدين، وإستهتروا بهم عندما كانوا يوزعون عليهم بعض المواد التموينية، أو الأموال النقدية. وغلى الرغم من الإقبال الشديد، والشفافية المقبولة نسبيا أثناء الإستفتاء وبعده، إلا أن النتيجة جاءت غير معبرة عن الشعب، لأن ذلك الشعب الذي ذهب إلى الإنتخاب لم يكن لديه فكرة أو قدرة على الإحاطة بكل مادة من المواد المعدلة وأهميتها على مستقبل مصر.
إننا مقبلون على مرحلة هامة، وأعتقد أن كل موطن يتمنى أن تأخذ الأحزاب الناشئة والمعبرة عن الثورة وضعها في المجتمع، وتكون قادرة على تكوين القاعدة الشعبية المؤيدة لها والمعبرة عنها. الوقت يبدو قصيرا للغاية، فإذاجاء مجلس شعب غير معبر عن إرادة الشعب، نتيجة للمارسات غير الشريفة، أو قصور الأحزاب الناشئة عن توصيل فكرها إلى الشعب المصري، فإن تكوين برلمان مصري لن يعني أن هناك ديمقراطية، ولابد أن تقوم كيانات أخرى تعبر عن الشعب، وتضغط بنفس الطريقة المعهودة على سياسات الحكومة.  أقول إن مايبدو "ديمقراطيا" قد يكون أكثر الممارسات بعدا عن الديمقراطية، وهكذا يساء إستخدام الديمقراطية.