Tuesday, July 26, 2011

مصر بين تغيير الوجوه وتغيير الأسلوب د.علياء رافع

  
أخذ التشكيل الجديد لوزارة شرف إهتماما كبيرا من كل المصريين، ولا شك أن الإستجابة لضغط الشارع أمر محمود، ومشكور للقائمين على الحكم. ولكن  يجب أن ننتبه إلى أن هناك فرقا كبيرا بين التعجيل بتحقيق أهداف الثورة كاملة، وبين سياسة التهدئة التي تقوم على تلبية بعض المطالب  والتباطؤ في أخرى. ولا بد أن يدرك القائمون على إدارة البلاد أن الشعب لم يعد غافلا عن التفرقة بين الأمرين. أراد الشعب ومازال يريد أن يسقط النظام الفاسد دون الإضرار بمصالح الدولة. ما زال السؤال قائما: لماذا لا يستجيب المجلس العسكري بصورة شاملة للمطالب الجماهيرية، لماذا تظل هذه الغصة والألم في نفس اللحظة التي تبدأ فيها الفرحة.  وعلى سبيل المثال مع المبادرة بالتعديل الوزاري، كان من المنتظر أن يتم تغيير وزير الداخلية، ولكنه  إستمر مما  أثار غضبا جماهيريا، لأنه المسئول الأول عما حدث يوم 28 يونيو، حيث بلغ عدد الجرحي  في الإشتباكات بين الأهالي والشرطة ألفا من المواطنين. ويجب الإشارة هنا، أن هناك قوة ما – وهي قوة مجهولة الهوية دائما ويطلق عليها البلطجية -  دخلت في إشعال الموقف.  ولكن ما أثار الجمهور أن القنابل المسيلة للدموع تم إستخدامها بغزارة شديدة، وأن هناك أسلحة حية قد أستخدمت مرة أخرى.
كان يوم 28 يونيو يوما آخر حزينا، ولكن تمخض عنه نجاح مظاهرات 8 يوليو، وأضاف صمودا إلى صمود الثوار وتصميما على أنه يجب المحاكمة العادلة السريعة ومحاسبة من تسببوا في مقتل الشهداء في يوم 28 ينايروالجرحي يوم 28 يونيو. وكان التغيير الوزاري أحد الأمور التي جاءت بعد هذا التجمع الحاشد، ولكن المثير للسخرية والنقد أن يظل وزير الداخلية في منصبه بعد التشكيل الوزاري، وأن يتم إستبعاد حازم عبد العظيم بعد أن تم ترشيحه، وأن يطلب من بعض الوزراء الإستغناء عن كفاءات عالية قبل إقالتهم فيستجيبوا، تحسبا لأطماع شخصية، أو لأهواء نفسية، تم الإستغناء عن تلك الكفاءات مع أن بعضهم له تاريخ وطني ذاخر، وإنجازات علمية وعالمية مشهودة. وهو ما يثير تساؤلا هاما يتعلق بالمرجعية الموضوعية التي يعتمد عليها إختيار الوزراء.  لا نريد أن نستبدل وجوها بوجوه أخرى، أو أن يكون التغيير للتغيير، ولكن لا بد من منهجية موضوعية معروفة للناس أجمعين تتلاءم مع إستيعاب مفهوم الثورة. بعبارة أخرى إذا جاءت وزارة جديدة غير قادرة على التعامل مع الواقع وقضاياه بمنطق الثورة ونبضها، فلن يكون هذا التغيير مؤثرا، وقد يثير مزيدا من الإحتجاجات.   
 وعندما أقول أن الإختيار يجب أن يكون موضوعيا ومتلائما مع متطلبات الثورة ،فهذا لا يعني أن الشخصيات التي يتم تكليفها بتحميل مسئلولياتها ممن لم يسبق لهم تولي مراكز تنفيذية في النظام السابق، لأن أغلب الكفاءات العالية كانت تعمل في هذا النظام. أعتقد أنه  من البديهي أن نقول أنه ليس كل من تقلد منصبا في العهد السابق ينتمي إلى النظام الفاسد، والدليل على ذلك أن عصام شرف قد شغل منصب وزيرا سابقا، وعلى الرغم من ذلك فقد خرج من عباءة الثورة، وإختاره الثوار. صحيح أنه خيب آمالهم، ولكن  كان هذا نتيجة لضعف في سياساته، ولا يشك أحد حتى هذه اللحظة في وطنيته.ومن البديهي أيضا أن ندرك أن مصر تذخر بالكثير من أبنائها الذين بذلوا جهودا خارقة  في العمل أثناء حكم الرئيس المخلوع من أجل مصر، ولولا جهود هؤلاء لكان حال مصر أسوأ مما هي فيه كثيرا. يجب إذن أن نفرق بين ثورة قامت ضد الفساد وضد نظام قمعي، وبين الإعتراف بالإنجازات التي قام بها شعب مصر في خلال الفترة السابقة كل من خلال موقعه.
نلاحظ على سبيل المثال أنه بالرغم من تدهور التعليم الجامعي، إلا أن أساتذة عظام أمثال محمد غنيم أستطاع في هذا الجو القاتم أن يقيم مركزا طبيا على أعلى مستوى. ولم يكن من الممكن لمجدي يعقوب أن يقوم بإنشاء مركز دولي لعلاج أمراض القلب في أسوان دون وجود أطباء لديهم من العلم والمهارة ما يمكنهم أن يكونوا جزءا من هذا الصرح الطبي.  سنجد أنه بفضل علماء وأساتذة مخلصين، أمكن إنشاء مركز للهندسة الوراثية تكون أبحاثه العلمية على مستوى عالمي، وكذلك تم إنشاء نظام الخبير في الزراعة الذي يقوم على تكنولوجيا الإتصال وإستخدام الذكاء الصناعي لمساعدة المزارع، وهو المركزالنموذج الوحيد في الشرق الأوسط. وأنشئت مكتبة الإسكندرية لتصبح منارة جديدة في الثقافة، ومركزا لتبادل المعلومات وتنشيط وتشجيع الحوار الثقافي، ثم مركز التوثيق الحضاري  الذي أصبح – بالإضافة إلى تحقيق هدف التوثيق عال القيمة للحفاظ على تاريخنا -  نموذجا علميا وصرحا تقنيا، تسعي مختلف الدول أن تستفاد من الخبرة التي قدمت له، ونال جائزة شبيهة بجائزة نوبل في التقنيات الحديثة.  هذا بالإضافة إلى المجهود الفردي الذي قام به علماء مصر عندما أخذوا مواقع دولية، في تدعيم التنمية والبحث العلمي في بلدهم الأم.  وتحية لكل مصري في النظام السابق آل على نفسه أن يتحدي جو الإحباط والتقهقر وعمل بإخلاص وإتقان.  لولا كل هؤلاء ما إحتفظت مصر بمكانتها اليوم، وما كان من الممكن لأبنائها أن يقوموا بهذه الثورة.
ليس المطلوب في هذه المرحلة بالفعل التركيز على هذه الإنجازات، لأن أمامنا الكثير من التحديات، ولكن عندما يتم التخلي عن بعض كفاءات دون تمحيص في إنجازاتها، ولأسباب غير مدروسة أو غير معلومة، أو لتهدئة وقتية، فإن هذا من شأنه أن يضر بالبلاد أكثر من إفادتها. ولهذا أثارإستبعاد حازم عبد العظيم ثورة في الميدان، لأن الرجل كفاءة عالية معروفة، وكل ما إرتبط بإسمه من شائعات لا مجال له من الصحة.  ستظل الثورة في خطر إذا ما إستمرت القرارات عشوائية للتهدئة، وليست إستجابة لروح الثورة التي تريد أن تبني مصر جديدة. وعلى عكس مايقول البعض ومنهم الإسلاميون، فإن الثورة تستهدف الإستقرار وتدعو له، لأنه لا إستقرار بدون تحقيق الأهداف الثورية التي تتغيا قيما عليا، وطلبات محددة معروفة. أما من يتهمون من يقومون بالتظاهرات والإعتصامات بأنهم يهددون الإستقرار، فإنهم سيقودونا بالفعل إلى الوراء حيث القمع والقهر مرة أخرى. إن روح الشعب لن تموت بعد أن إستيقظت، وصوت الميدان يعبر عن تلك الصرخة التي لن تهدأ قبل أن تتحقق الحرية ليعيش كل موطن كريما محترما.

Monday, July 25, 2011

فجر تاريخ جديد: ثورة 25 يناير

فجر تاريخ جديد: ثورة 25 يناير  
تقديم
فاجأتني الثورة المصرية كما فاجأت غيري بقوتها وعنفوانها، بسلميتها ووضوح رؤيتها، بمشاركة الشعب المصري بكل أطيافه وطبقاته وعقائده وأيديولوجياته. فاجأتني لأن المراقب لما آلت إليه حال البلد، كان يتصور أنها تموت، وكانت الكلمات الصادرة من الأقلام الشريفة تجد طريقها بعد طول لؤي وعناء، وبدت كما لو كانت تدوي في الفضاء دون ما أذن تسمعها. فاجأتني لأني وغيري لم نكن مستعدين للثورة، وكنا نعمل بكل ما أوتينا من قوة لإصلاح المجتمع على قدر الجهد والطاقة، ولكن آثار هذا الجهد المضني من شرفاء هذا الوطن كانت تتراكم ببطء مقارنة بتضخم السيطرة والإستبداد،  ولكن يبدو أن كل فكرة بناءة، وكل أمل إختلجت به النفوس الطيبة لهذا الشعب تحول إلى طاقة ألهمت الشباب أن يجمع إرادته ويتحدى المستحيل.
 لايعني أن الثورة كانت مفاجأة أنها قد إنفجرت دون مقدمات، فلقد ذخرت السنوات العشر الماضية بحركات إعترا ضية وإحتجاجية  كثيرة وتجمعات مهنية، ووطنية متعددة،  منها على سبيل المثال لا الحصر، حركة 20 مارس من أجل التغيير، بيانات حركة عمال من أجل التغيير، الحملة المصرية من أجل التغيير، حركة أطباء من أجل التغيير، الجماعة الوطنية للدفاع عن ثروة مصر، الحركة المصرية من أجل الديمقراطية، اللجنة التنسيقية للدفاع عن الحقوق والحريات النقابية والعمالية، جماعة تضامن، أطباء بلا حقوق، حركة طلاب بلا حقوق، شباب 6 إبريل، صحفيون من أجل التغيير، طلاب من أجل التغيير، عمال الاسبتوس، عمال غزل المحلة، لجنة التضامن العمالي، محامون من أجل التغيير، حركة 9 مارس، حركة أدباء وفنانون من أجل التغيير، حركة كفاية، ثم الجمعية الوطنية من أجل التغيير[1]. أي تراكم الغضب، والرفض للنظام البائد على مر السنين وكان التغيير مطلبا رئيسيا في ثورات الغضب المتعددة، ولكن عندما نقول أنها مفاجأة، فذلك لأنه لم يكن مخططا لها تخطيطا تنظيميا، أي لم تكن الطليعة التي خرجت يوم 25 يناير تتصور أن إحتجاجها سينقلب إلى ثورة. كان إندلاعها بهذه القوة وهذا الزخم دون قيادة واضحة، ودون أيديولوجية مهيمنة على الثوار مفاجأة وهذا ما جعلها ثورة فريدة. 
إذا أضفنا إلى هذا أنه كان يبدو أنه من المستحيل أن يترك الرئيس السابق مقعده قبل أن تتوفاه المنية، وكانت هناك خطة محكمة لتولي جمال مبارك الرئاسة من بعده، وهو ما أكدته النتائج الهزلية   لإنتخابات مجلسي الشعب والشوري المنحلين. ولم تكن أحزاب المعارضة على قدر المسئولية في تلك اللحظات الحاسمة، إذ أخذت تستكمل المظهر الديمقراطي بالرفض والشجب والهجوم على الحزب الحاكم دون الإتفاق على إستراتيجية موحدة لإحراج النظام، وفرض واقع جديد.  كان إستمرار هذه السلبية كفيلا بالقضاء على ما تبقي من أمل في الإصلاح من داخل النظام أو التغيير من خلاله. وأما على مستوى الشارع المصري  فإنه كان يغلي من الغضب المكتوم، وكان واضحا لأي خبير في العلوم السياسية والإجتماعية إن إستمرار الحال من المحال، وأنه لا بد أن تحدث قلاقل غير محسوبة العواقب.
كنت أخشى أن يفلت الزمام وتظهر جماعات عنف جديدة، وحركات تحتية مجهولة الهوية من حيث الفكر والغاية والهدف، وكنت أتمنى أن ينتبه الرئيس قبل فوات الأوان إلى هذا الغليان، فيمتص الغضب بحركة إصلاح حقيقية، ووجهت إليه كلمة من مواطنة مصرية تطالبه فيه بالتغيير وإتخاذ خطوات واضحة للإصلاح، وكانت المفارقة أن هذا المقال نشر يوم الثلاثاء 25 يناير.
كان مقالي يظهر على إستحياء في جريدة  نهضة مصر، ومع إدراكي أن الكلمة لا بد أن تظاهرها قوة سياسية، وأن كلماتي لن تحرك الجبل من مكانه، إلا أنني كنت أؤمن كذلك أن الأفكار تطير بدون أجنحة، وإن بلورة الفكر عن طريق الكتابة سيؤثر على من يقرأ أو من لا يقرأ. وقد أصبحت أدرك وسأكرر هذه الفكرة مرارا وتكرارا أن الإصلاح من خلال بقاء النظام كان مستحيلا.  كان هناك تجاهلا مخيفا لإرادة الشعب، إفراغا لطاقاته.  كان المقصود مما كان يبدو أنه حرية كلمة وتعبير، إفراغا  لطاقة الغضب في كلمات حتى نتعب ثم نصمت، وهذا هو القتل البطيء. وكان لا بد للنظام أن يكف عن تلك التمثيليات التي كان يعلن فيها عن نوايا طيبة، ثم ما تلبث السياسات الفعلية أن تسير في إتجاه معاكس لها.
خلال الثلاثين عاما الماضية التي بدأتها شابة متطلعة إلى الحياة، كان أملي أن أكون أداة دفع في تحسين وتطوير أدائي المهني ونشاطي المدني من أجل خلق بيئة ولوصغيرة تعبر عن آمالي وأحلامي في خلق مجتمع يعلي من قيم الإتقان، والمحبة والتسامح والعطاء. وكنت ومازلت أؤمن أن زرع نبتة صغيرة هو بداية لإعمار الأرض كلها، ولا ينبغي أن نتوقف عن عمل الخير، مهما كانت قوة الظلام حولنا، لأن الإستمرارية والإصرار هي التي ستوصلنا إلى أهدافنا. وجرى العمر، ولم أفقد الأمل ، ولم أكن أتوقع أن كل كلمة كتبتها قبل الثورة سيكون لها رنينها وقوتها، من حيث أنها جسدت تلك الصورة التي كنت أرسمها سواء كانت تحليلا لواقع أو إستشرافا لمستقبل. 
لقد إنصب فكري وتفكيري، بحثي وجهادي، أملي وحلمي قبل الثورة حول كيفية بعث هذه الروح.. روح مصر الأصيلة،  كنت أتتبع آثارها في الأعمال المصرية الفنية، في الفكر السياسي، في الطالبات اللائي أتعامل معهن، في دلالات الإيمان بإعتباره حياة معاشة، وليس عبارات تقريرية، في البحث عن رعاية الفطرة في النشء، في التحرر من القوالب الجامدة، ومن الخوف. كنت بعبارة قصيرة أتطلع إلى أن يعيش بلدي ويعيش العالم كله في مناخ من الحرية الحقيقية التي كانت تعني لي إيمانيا شهادة التوحيد المعاشة، فعندما تمتليء النفس الإنسانية بالإيمان، فإنها تكسر حاجز الخوف، وتصبح نفسا حرة. وفي ظلال الحرية تنمو الحضارات الإنسانية.
في أعماق ما كتبت كنت أستشعرتلك القوة الكامنة في شبابنا وفي شعبنا، أدعوها أن تنتفض، أبحث عن بصيص نور هنا وهناك كي تهب، أدعو إلى أهداف كبرى تجمعنا، وأنا أراقب بألم تفكك المجتمع ومظاهر هذا التفكك. ألمح وأشير إلى مظاهر الإغتراب، وأرسم طريقا يعود بنا إلى الإنتماء.  كانت تلك المقالات تحلل حينا وتدعو حينا آخر، تشخص المرض الروحي للمجتمع،  وتحاول وصف العلاج في أحيان أخرى. هكذا راح قلمي يبحر هنا وهناك. كنت على وعي بأنه ستجيء لحظة يقظة، ولكن لم أرها قريبة، ولم أتوقعها في ثورة. وكيف لي أن أعرف أن هذه الثورة ستكون بمثابة الفجر الذي طال إنتظارنا له، والصحوة التي عبرت عن أجمل ما في الشخصية المصرية. 
تلك الثورة كانت بعثا لروح مصر، لأن تلك الروح التي ظهرت كانت تعبر عن سمات الشخصية المصرية الحضارية التي إمتدت عبر كل لحظات الإزدهار في التاريخ المصري. إنها تلك الروح التي صنعت الحضارة المصرية العظيمة، والتي إستقبلت المسيحية، وحولتها إلى نغمة حب للوطن فكان الإستشهاد في عصر الرومان كما هو في كل عصر، وكما هو الآن دفاعا عن الحرية والكرامة الإنسانية. أنها نفس الروح التي إستقبلت الإسلام، وعبرت عن سماحته وإتساعه ورحمته وإحتوائه لما سبقه من الرسالات، والتعامل مع أهل الكتاب بالمحبة والإحترام.
كنت أتصور أن هذه الروح الوثابة المتطلعة إلى الله في كل لحظات تاريخها تكاد تختفي أو تموت من جراء الهجمات الفكرية القادمة من شبه الجزيرة العربية، أو بحثا عن فكر سياسي يعبر عن الهوية فإذا به يسيس الدين، ويستخدمه، ويضيع ما بين الدين والسياسة.  ولذا فإن بزوغ هذه الروح بدا وكأنه معجزة بكل المقاييس.  حقا كانت يد الله ورعايته ظاهرة وواضحة، إذ بعثت في هذه اللحظة روح مصر، وعندما أردد "روح مصر"، فهذا يجعلني أتذكر نظرية العالم السويسري كارل جوستاف يونج عن اللاوعي الجمعي، وما يختزنه البشر على مر التاريخ في اللاوعي. فنحن في اللحظة التي فقدنا فيها الأمل في أن تعود للمصريين أخلاقهم التي عرفناها من خلال التاريخ والقراءة، ومن خلال التعامل مع نماذج عظيمة من البشر تحمل هذه الأخلاق، وملأ اليأس  قلوبنا، إذا بالشعب يتعرف  فجأة على قوته وروحه. وهو ما جعل أحد الصحفيين الألمان  في أحد البرامج الحوارية يشهد  أنه على الرغم من تواجده في إيران أثناء الثورة الإيرانية، وفي تونس أثناء الثورة التونسية، وأيضا في السودان من قبل حين الإطاحة بنظام النميري إلا أنه يؤكد أن ما رآه في مصر كان شيئا آخر، بهرته سلمية الشعب، وإنتشار الثورة في أرجاء مصر مرة واحدة، ووضوح الرؤية والهدف دون قيادة واضحة  "إنه شعب يتعرف على نفسه وتعود إليه الروح".[2]
 أعتقد أن توفيق الحكيم الذي كتب في القرن الماضي روايته المعروفة "عودة الروح"، كان ينهل من هذا المعين القابع في أعماق تاريخ مصر، ويتحدث عن أمل، ظن أنه رأى بعضا منه في ثورة 1952 ، ولو كان موجودا بيننا اليوم، لأكتشف مزيدا مما لم يكتب عنه.  
إستعدت قراءة ما كتبته في السنين الماضية من مقالات متنوعة، ووجدت أن من واجبي في هذه المرحلة التي يمر به وطننا، أن أجمع ما كتبت في مجلد واحد أو كتاب واحد، يركز في الأساس على "ثورة مصر في 25 يناير".  إذ أنه من حق الناس حتى تدرك قيمة اللحظة الحاضرة، أن تستوعب المرحلة الماضية بكل ما فيها من أحداث وعبر،  وكيف كان الأمل والإحباط يتعانقان بشكل درامي في قلوب المصريين، إلى أن جاء هذا الحدث الزلزال.  وما زال أمامنا كثير من التحديات التي يجب أن نعبر فوقها، ولا نرجع إلى الوراء قيد أنملة. ينبغي أن نتذكر مصر قبل الثورة، ليكون لنا ذلك تذكرة، فلا نقبل مرة أخرى أن تقهر إرادة هذا الشعب، أو يستهان به.  أمامنا المستقبل لنبنيه بمشيئة الله.


[1]  أنظر ببلوجرافيا الحركات الإجتماعية في مصر: بيانات الحركات والكتابات النظرية عنها، باحث رئيسي أحمد خير،  صادرة عن مؤسسة دعم لتنقنية المعلومات، ومؤسسة فريدريش ناومن من أجل الحرية، بدون سنة نشر. أنظر أيضا عبد الغفار شكر: "حركات الإجتجاج .. من الأستعداد الماضوي إلى قلب الثورة" في "  د. عمرة هاشم ربيع (محررا) ثورة 25 يناير: قراءة أولية ورؤية مستقبلية، مركز الدراسات السياسية والإستراتيحية، مارس 2011.
[2]  في برنامج العاشرة مساء 

Tuesday, July 19, 2011

قراءة في دلالات إستمرارية الثورة د. علياء رافع


كنت في واشنطن العاصمة عندما جاء 8 يوليو بما يحمله من معنى وإشارة إلى أن الشعب لن يقبل مرة أخرى أن يغرر به، وأنه إستيقظ ولن ينام، وبعث ولن يموت. إن هذا التجمع الهائل الذي كنت أتتبعه من خلال التويتر والفيس بوك إن كان يدل على شيء فهو يدل على أن الثورة مازالت مستمرة. وجاء خبر هذا الحشد على إستحياء في السي إن إن المحلية ( أي الخاصة بالولايات المتحدة)، وإنشغلت هذه المحطة التليفزيونية بالخلافات القائمة بين أوباما وحزب المعارضة بالنسبة لسياسة الديمقراطيين الإقتصادية، ومحاولة أوباما إحتواء الأزمة. هذا بالإضافة إلى أخبار متناثرة عن أحداث هامشية. وهكذا بدا لي أن ثورة مصر لم تعد تلاق نفس الإهتمام الإعلامي الذي لاقته في البدايات الأولى، وكأن الأمر قد إنتهي عند تخلي مبارك عن الحكم. وأصبح ما يحدث على الساحة المصرية أمرا داخليا. هكذا أراد الإعلام أن يعبر عن توجهاته التي لا تخلو من تأثير متحيز، يتدخل فيه اللوبي الصهيوني، أو الإتجاه الحكومي أو المعارض، تبعا لقوة العلاقة التي تحكم هذه المحطة أو تلك بشبكات من المصالح في بلد يدعي أنه يدافع عن حرية التعبير.  وفي الوقت نفسه فإنني على يقين أن كل ما يحدث على أرض مصر، يأخذ أهمية بالغة بالنسبة للدوائر الخاصة في الإدارة الأمريكية، تحليلا، وترقبا، لأن نجاح الثورة في تحقيق أهدافها سيكون بداية جديدة في تاريخ مصر، مؤثرا على المنطقة كلها، بل والعالم أيضا.
أرجو ألا يعتقد القاريء أنني خرجت عن الموضوع الرئيسي، فما أريد أن أوصله إلى قارئي هو أن النبض المصري نابع من شعب ظهرت خصائصه الأصيلة في تلك اللحظة التاريخية العظيمة التي ستصبح علامة في تاريخ العالم أجمع، دون أي تأثير أو تأثر بقوى خارجية. ولا تعني إستمرارية الثورة عداءا مباشرا أو غير مباشر لأي قوى سياسية، ولكن الإصرار على إستكمال الثورة لأهدافها الواضحة والبسيطة هو إصرار على ضرورة تغيير أسلوب التعامل مع الشعب ، ذلك الأسلوب الذي دأب على تجاهل إرادة هذا الشعب. كانت الثورة ضد نظام بأكمله، وكان حسني مبارك رمزا له، وضد أسلوب حكم إستمر في تجاهل تام للإرادة الشعبية، وإستخفاف بالجماهير العريضة، وإضعاف لإمكانياتها.  وإرتكب حسني مبارك بشخصه جرما لا يستهان به، ليس فقط من حيث أفساد الحياة السياسية، وسياساته الإستبدادية، وليس فقط الإستيلاء على أموال الوطن، وتشجيع آخرين على نهب ثرواته، ولكنه أيضا قد إشترك في مذبحة 28 يناير، بإصدار أمر مباشر لوزير الداخلية بإستخدام السلاح في قتل المتظاهرين، والإنسحاب الأمني الكامل في ليلة الجمعة الحزينة، وإستخدام كل أساليب الترويع لمقاومة الثورة. هذه التهم ثابتة، وواضحة. والتساؤل هو لماذا هذا التراخي في بدء المحاكمة التي يجب أن تكون علانية؟
لا أريد أن أعيد ما قلته في مقالات سابقة من أن هناك ألغازا لا نستطيع أن نفك شفرتها منذ بداية الثورة،  منها الإصرار على بقاء وزارة شفيق، والتذبذب بين سياسة التخويف وسياسة المآزرة، فلم يكن من الطبيعي على الإطلاق ان يصدر قانون يجرم التجمعات والتظاهرات في أعقاب ثورة تحققت بكسر حاجز الخوف، وكان من الأولى مواجهة التظاهرات الفئوية بأسلوب الحوار من ناحية، وبإعادة النظر في قانون إنشاء النقابات المعبرة عن مطالب العاملين من ناحية أخرى. ولم يكن من الطبيعي أيضا أن يتم ترويع المتظاهرين بمحاكمات عسكرية، وغيرها من وسائل الترويع. وبدا واضحا أن المجلس العسكري – على الرغم من تجاوبه في تحقيق إستبعاد مبارك عن الحكم – فإنه لم يكن في نفس التجاوب مع الإعتراف بشرعية الثورة التي أسقطت الدستور القديم، ذلك أن الإصرار على "تعديلات دستورية" يحمل في طياته إتجاها إصلاحيا وليس إتجاها ثوريا.  وفي مقابل هذا الخط يظهر خط أخر فيه تأييد ومآزرة، حيث يظهر علينا لواءات من المجلس العسكري يذكروننا بموقف الجيش وإنحيازه إلى الشعب في ثورته، وإستمرارية تدعيمه ومأزرته، والإستجاب إلى معظم مطالبه، وهذا أيضا حق لا يمكن إنكاره. ولكن لماذا لا تسير سياسات المجلس العسكري في إتجاه الثورة وليس ضدها؟  لا أجد إجابة على هذا السؤال. وليس من الضروري أن تكون هناك إجابة في الوقت الحالي، ولكن من الضروري أن يستجيب المجلس العسكري لمطالب الشعب، وهذا ما يحدث بالفعل. ولكن ببطء شديد، وبتلبية جزئية. وأتصور أن الثورة تبلغ منتهاها حينما يسبق المجلس العسكري الحاكم مطالب الجماهير قبل أن تتظاهر، ولكن في ظل هذا الخطو البطيء لابد أن تستمر الثورة.  ولذا فإن الثورة مازالت قائمة. وهي ليست ثورة ضد أي قوى، أي ليست ثورة صد المجلس العسكري، ولكنها ضد أسلوب إدارة البلاد الذي يجب أن يتغير وأن يصبح قادرا على تلبية آمال الجماهير العريضة.
كان الشعب لماحا وواعيا، عند ترك الأمور الخلافية مثل الدستور أولا أم الإنتخابات، وإتجه مباشرة إلى المطالبة بمحاكمة رموز النظام السابق تحقيقا للعدالة، وقصاصا لدم الشهداء الطاهر الذي يجب أن يلاق إحتراما وتقديرا، وليس تهاونا وتراخيا، وعندما رفضت الجماهير أن تتعامل وزارة الداخلية الحالية مع أهالي الشهداء بالعنف وإطلاق الرصاص، أو أن تتعامل الوزارة الحالية مع أهالي الشهداء ومطالبهم العادلة بالتجاهل التام. لم يكن مقبولا أن تظل رموز عهد سابق متواجدة في مراكز قوى تمارس بها السياسات القديمة،  وهكذا توحد الثوار نحو مطالب واضحة وشاملة، ويلتقي عندها الجميع. ولذا فإن إستمرارية الثورة يجب أن تستمر ضد كل الوسائل والأساليب التي تفرق بين المتظاهرين، وضد كل العوامل النفسية التي تضعف من إصرارهم وإرادتهم. وإستمرارية الثورة ضرورة من أجل التغلب على وهم أن ضعف الإنتاج، وغلاء المعيشة المتزايد، وغياب الأمن، والتحديات الإقتصادية، وهرب السياح هو نتيجة للثورة، ولكن يجب أن يكون الوعي أن كل هذا بدأ بمنهجة من النظام السابق، ثم أعوانه في إشاعة الفوضى – تحت إسم الثورة – والزج بالبلطجية في كل مناسبة ممكنة لإثارة الفتن والقلاقل. يجب أن يحتفظ الثوار بسلمية الثورة ونقائها بالتعرف على كل فئات دخيلة تحاول أن تحيد بها عن هذا الإتجاه. إن هذا الإصرار يعطي إطمئنانا لكل من يترقب ويراقب المشهد المصري، وهو ما سيؤثر على الإقتصاد إيجابا وليس سلبا. الثورة من أجل مصر وليس ضد مصالحها.
إذا لم تنجح الثورة في تحقيق أهدافها فإن هذا يعني أن دماء الشهداء قد أزهقت هدرا. وإذا إنكسرت هذه الإرادة بتصميمها وقوتها وعنفواتها، فإن مستقبل مصر سيصبح في خطر. إستمرار الثورة ضرورة إستراتيجية من أجل مستقبل مصر،  ولذا يجب أن يكون المجلس الأعلى في صفوف الثوار، كما كان عندما وقف إلى جانب الشعب في لحظة سيكتبها له التاريخ عندما تخلي مبارك عن الرئاسة. أملنا في الله كبير، ولن تقف هذه الثورة إن شاء الله حتي تصل إلى أهدافها، وحتي يبزع فجر جديد، حينئذ سيحقق المصريون المعجزات، وليشهد التاريخ على ميلاد حضارة جديدة عالمية تذخر بقيم الحرية والعدالة والسلام، تبدأ من مصر.

Tuesday, July 5, 2011

الخطر الداهم الذي لا يراه القائمون على الحكم د.علياء رافع

شهدت الأيام الماضية أحداثا ذكرتنا بما كان يجري في بدايات الثورة، حيث نشهد الشرطة تضرب الشعب،  وتحدث بلبلة كبيرة في توصيف ردود فعل الناس، وهجومهم على رجال الأمن، والإشتباكات المتبادلة. ليس هذا رأيي وحدي، ولكنه رأي كثير من الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام مشهد كادوا أن ينسوه.  وأيا ما كان الأمر: هل هؤلاء بلطجية أم أهالي الشهداء؟ لا شك أن بعضا منهم كان يمارس أعمال البلطجة، ولكن ليس كل من وقف أمام وزارة الداخلية من البلطجية. هل هؤلاء أهالي الشهداء؟ لا بد أن يكون منهم أهالي الشهداء الذين إختاروا الإعتصام في ماسبيرو، ولم يلتفت إليهم أحد. 
إذن نحن أمام ظاهرة غريبة إختلط فيها الحابل بالنابل، مما يصعب معه الهجوم أو التأييد الكامل لما يحدث.  ولكن ليس من مصلحة وزير الداخلية أن ينكر أنه كان هناك عنف شديد في مواجهة هؤلاء البلطجية – المتضررين – أهالي الشهداء الذي إجتمعوا في مشهد واحد غريب، فهذا ما رأيناه، وهذا ما سمعناه.   
وعندما يظهر وزير الداخلية ليقول أن الشرطة لم تستخدم رصاصة واحدة، معيدا نفس القصة ونفس الأسلوب في نفي شيء لكي يهرب من عنف شبيه بضرب الرصاص، وعندما يصرح وزير العدل أن المحاكمات تأخذ مجراها الطبيعي، حتي يمكن إحكام التهم – إذا وجدت – وإعطاء فرصة للمتهمين للدفاع عن النفس، حتي لا يطعن في الحكم، فإنني أعتبر أن هذه مهزلة كبرى. لماذا نعطي رموز هذا النظام الفرصة لترتيب أوراقهم لتصبح المحاكمة صورية، وتنقذ رقبة هؤلاء نتيجة للقول بعدم توفر الأدلة الكافية. ما يحدث هو أن التحقيقات تتوخى الدقة المتناهية، ولكنها تعطي الفرصة للنظام السابق أن يتلاعب لينقذ نفسه، ويقوم أعوان النظام السابق بالفعل وبشهادة الشهود في كثير من البرامج التليفزيونية،  بالضغط على المتظلمين والمتضررين من قتل أبنائهم وأهلهم، والمصابين بالعاهات، ويحاربوهم بالتهديد ومرة بالرشوة  للتنازل عن قضاياهم ضد الضباط والجنود الذين قتلوا وأصابوا أبناءهم مرة أخرى. وإذا تنازل هؤلاء سيعجز القانون الذي هو أداة لإقامة العدل عن القصاص من المجرمين ولا يصبح هناك متهمون على الرغم من الوثائق المرئية التي سجلت على سمع وبصر العالم أجمع.
ما الذي يحتاجه القضاء حتي يثبت أن حسني مبارك وحبيب العادلي متورطان في قتل المتظاهرين؟  ألا يكفي دم ألف شهيد أن يكون دليلا على تورطهما؟ ألم تسجل هذه الجرائم بالصوت والصورة؟ إنها ليست قضية أهالي الشهداء فقط، إنها قضيتنا جميعا، نحن في حاجة إلى القصاص العادل، وهذا التباطؤ ظلم وليس عدلا بأي حال من الأحوال.
والنتيجة المحتومة لهذا التباطؤ الذي يكسر الثقة ويضعفها بين الشعب وبين القوى الحاكمة (المجلس الأعلى العسكري و مجلس الوزراء) أن تتحول الثورة من ثورة بيضاء سلمية إلى ثورة غضب وعنف، ومن ثورة قام بها خير شباب الوطن علما وفهما للأمور، إلى ثورة جياع تسوء أحوالهم يوما بعد يوم نتيجة لعدم الإستقرار الأمني والسياسي غير المبررين على الإطلاق. ولا ينبغي أن تكون المظاهرات السلمية التي قامت على مدار الشهور الماضية هي الشماعة التي يعلق عليها البعض غياب الأمن وإنهيار الإقتصاد كنتيجة طبيعية.  لقد خلق النظام السابق هذه الحالة المزرية، وإستمرت. وللأسف عندما ظهر الأمن ظهر بنفس الصورة القديمة التي خلقت فجوة بينه وبين أفراد الشعب جميعا.
ليس من مصلحة الوطن خلق توتر في الشارع فيظهر ذلك الإنقسام بين أبناء الشعب، بعضهم يتبني سياسة الصمود والتصميم على أن يحققوا أهداف الثورة،  والبعض الآخر ينتابه الذعر والقلق،  خائفين مذعورين من أن تسوء الأحوال أكثر مما هي عليه، ويريد أن يؤثر السلامة ويرضى بالحال على، منتظرا النتيجة. وفريق ثالث يتحرك من الفئات التي ظلمت نتيجة تدهور الأحوال الإقتصادية من عمالة مؤقتة، وأسر فقدوا عائلهم نتيجة الثورة،  وفئات أخرى قد ذاقت طعم الأمل في حياة أفضل، وغير مستعدة إلى الرجوع مرة أخرى إلى الإنزاء والإختفاء. لقد كسر هؤلاء حاجز الخوف، ولكن قد يتجهوا إتجاها مدمرا، وليس إتجاها عاقلا. وهذا مارأينا جزءا منه  في احداث 28 يونيو. حينئذ سندخل في دائرة مغلقة من الثورة والقمع، ويعلم الله وحده إلى أين ستنتهي.
إذا نظرنا الآن إلى ما تمر به مصر، يبدو لي أن الأمر جد بسيط وليس في حاجة إلى التباطؤ، هكذا بدا الأمر بسيطا عندما قامت تلك التظاهرة يوم 25 يناير، حيث المطالب واضحة، ويمكن تلبيتها بسهولة. الذي لا بد أن يحدث هو أن يكون هناك قدر من السرعة في محاكمة رموز النظام السابق لما أرتكبوه في أثناء الثورة من قمع وإستخدام عنف بطرق مختلفة، وهذا مثبت وموجود. وأما النقود المنهوبة، فعلى الرغم من أن كل مصري يتمنى أن تعود إلى خزانة الدولة لتستخدم لصالح هذا البلد، ولكنها ليست القضية الرئيسية. يحتاج الناس أن يشعروا أنهم يعيشون ثورة حقيقية، وليس تمثيلية تأييد للثورة، كما شاهدنا وتعودنا عليه أثناء حكم مبارك، حتي أصبحنا نعيش في عالم مغشوش تماما، يظهر بشكل جيد، ويخفي وراءه أبشع الصور. يترك الناس يتكلمون ويكتبون نقدا وهجوما، وكأن البلد ديمقراطي حر، ولكن لا يكون هناك أي تجاوب بأي صورة وبأى شكل. وعندما تواجهنا تصريحات مثل ضرورة تطبيق القانون والعدل، وتجري الأيام ولا يحدث شيء، فإن كم الإحباط الذي تولد في القلوب هائل، ونتائجه لن تكون واحدة عند الجميع. ولكن الإنقسام في المواقف إضافة إلى ظهور الغالبية المطحونة على مسرح الأحداث وأخذها بزمام الأمور بدون تعقل، سيكون له آثار غير مأمونة العواقب.
لقد أذهلت الثورة المصرية العالم بسلميتها رقيها، بقدرتها على التغيير دون أن تكون هناك قيادة واضحة، بقدرتها على إستبعاد رئيس ظل جاثما على حريتها لمدة ثلاثين عاما، ومن حق هؤلاء الذين إستشهدوا أملا في الحرية، وأولئك الذين خرجوا دفاعا عنها، أن يجدوا ثمرة ما سعوا إليه. ويقلقني أن يقول البعض أن هؤلاء متعجلين ويريدون كل شيء مرة واحدة، وذلك أن الشفافية هي ما يطلبه هؤلاء، والتوجه نحو تحقيق آمالهم بصدق هو ما ينتظرونه ويأملونه.  وأخشى أن أقول أن القوى الحاكمة لمصر تفقد مصدقياتها يوما بعد يوم، لغياب لغة التفاهم والحوار، والتعاطف والتقدير. موت مواطن مصري في الثورة ليس أمرا هينا، ودمه ليس ماء ، إنه دم غال وحياة ثمينة. أليس من حقنا أن نشعر أن كل مواطن له قيمة متساوية، أم أن هؤلاء الشباب الذي يقبض عليهم ويسجنون لمدة أعوام وبسرعة فائقة أقل قيمة من رئيس سابق  ثبت تورطه في القتل، ومع ذلك تؤجل محاكمته، وكذلك تؤجل محاكمة اليد التي إستخدمها للقتل. لماذا هذا الحكم بمعيارين؟ إنه تساؤل في عقل كل مصري، وقد يولد اليأس حركة ضارية لا يؤيدها كل غيور على مستقبل مصر، ولذا ينبغي أن نتجنب وقوعها. عاشت مصر قوية آمنة عفية، حماها الله ورعاها، حقا إنها مصر المحروسة. 

Wednesday, June 29, 2011

دعاء من اجل مصر

اللهم إنقذ مصر كما أنقذت رسولك إبراهيم من النار وجعلت النار بردا وسلاما عليه، وأنقذت صفيك يوسف من غياهب الجب، ورفعته عزيزا معززا كريما مكرما، وأنقذت كليمك موسى من فرعون وجنوده، وأنقذت حبيبك محمد من مكر الماكرين وجعلته رحمة للعالمين. اللهم إنقذ مصر وإعز أهلها، وبارك في شعبها، وأسبغ عليها نعمتك بنشر الإيمان في قلوب أبنائها، وإجعل لهم من أمرهم رشدا. يا رب أنت القوي القدير والقادر على أن تبدل ليلنا نهارا، وظلامنا نورا، وجهلنا علما، وتعجلنا صبرا جميلا. اللهم إكشف الغمة عنا وعن بلدنا وعن أرضنا. يا أرحم الراحمين إرحمنا. ولا حول ولاقوة إلا بالله وصلى الله علي سيدنا محمد وعلى صحبه وآله.

Saturday, June 25, 2011

فزاعة بين الدستور والإنتخابات د. علياء رافع


ترتفع أصوات من هنا وهنا تطالب بأن تشكل لجنة تأسيسية مباشرة للدستور، مؤكدة أن وجود دستور قبل الإنتخابات أمر ضروري، بينما يرد آخرون أن هذه المطالبة تشكل تحديا للإرادة الشعبية التي وافقت على تعديلات الدستور، والتي بمقتضاها تقرر أن تكون الإنتخابات في خلال ستة أشهر من ظهور نتيجة الإستفتاء ، ومن خلالها تشكل لجنة تأسيسية للدستور. لم تذكر هذه المادة كيف ستشكل هذه اللحنة التأسيسية التي ستتكون من مائة شخص، وتركت تلك الآلية لمجلس الشعب القادم أن يحددها. وهناك رأي ثالث يرى أنه حتى لا يبدو الأمر وكأنه إستهتار بنتيجة الإستفتاء الذي وافق عليه 77 في المائة من جمهور الناخيبين، فإنه ينبغي أن توضع مباديء عامة، لا يحق لأي نص في الدستور المقبل أن يتناقض معها، وتكون هذه المباديء محل إتفاق من القوى الوطنية جميعا.
وفي هذا المقال أريد أن أتناول الأمر بطريقة مختلفة، ذلك أن فكرة التعديلات الدستورية نفسها مهزلة بكل المقاييس. كان من المقبول قبل الثورة أن تجري هذه التعديلات في ظل النظام السابق، ولو كان حدث هذا لأصبحت تلك التعديلات قفزة إصلاحية هائلة، ولكن بعد الثورة، فإنه من الناحية اللوجسيتكية البحتة from a logistic point of view  فإن "كلمة تعديلات" في حد ذاتها، فيها تعدي وتحدي لشرعية الثورة التي أسقطت الدستور كاملا ، بدليل قدوم المجلس الأعلى العسكري لتولي إختصاصات رئيس الجمهورية. ولكن وجد الشعب نفسه مدفوعا إلى إبداء رأيه في أمر لم يكن يصلح أصلا أن يكون محل خلاف.  لم يكن هناك بد من أن تكون الخطوة الأولى هي كتابة دستور جديد تماما من الصفر. 
يمكن القول تلخيصا للفكرة أن المجلس العسكري على الرغم من موقفه الرائع في مساندة ثورة 25 يناير، ولكنه يدير الأمور من منطلق الإصلاح، وليس وجوب التغيير الجذري للنظام السابق، دون إسقاط الدولة. وعندما أقول "التغيير الحذري"، لا أغني بهذا أن نقع في فوضى سياسية وإجتماعية، ولكن الإعتراف بشرعية الثورة كان يستلزم رؤية واضحة، وخطوات عمل تتناسب مع هذه الرؤية، خطوات منظمة تراعي إستمرارية الدولة وشرعية الثورة.  ولم يكن هناك داع لهذا الإنهاك في تلبية مطالب الجماهير، وعدم الإستجابة لها  إلا بعد مظاهرات عديدة، أو التهدئة عن طريق إجراءات جزئية لا تتناسب مع ضرورة الحركة السريعة. كان خليقا بالمجلس الأعلى أن يسبق الجماهير في تثبيت أركان هذه الثورة، لأن شرعية وجوده نفسها مستمدة منها. وليس  لدي أي تفسير في هذه اللحظات عن سبب هذا التباطؤ سوى أن المجلس العسكري  لم يستطع أن يستوعب تماما دلالات هذه الثورة، ولذا جاءت سياساته "إصلاحية" مع الإبقاء على أساسيات النظام – ليس فقط من ناحية الأشخاص في مختلف المجالات الحيوية – ولكن حتى أسلوب العمل والتعامل مع الجماهير ومطالبها لم تتغير، وهو ما أشاع إجباطا عاما، على الرغم من حرص هذه الجماهير على عدم التصادم مع المجلس الأعلى.
والذي إستمع إلى اللواء فاروق شاهين وهو يدافع عن منطق التعديلات، سيدرك أنه كان يتحدث بمنطق الإصلاح وليس بمنطق الثورة,  وفي نفس الوقت سواء كان الأمر مقصودا أو غير مقصود، فإن الإبقاء على وزارة أحمد شفيق، وما كان يحدث في أثناء هذه الفترة من إستفزازات في أداء هذه الوزارة كان أحد الأمور الجوهرية التي شغلت الرأي العام، بدون مبرر أيضا. لأن إقالة هذه الوزارة كان أمرا منطقيا وطبيعيا، مهما كانت كفاءة رئيس الوزراء أو الوزراء (مع التحفظ).  ولا أدري لماذا لم يختار المجلس الأعلى أو د. عصام شرف بعض شباب الثوار الكفء. ذلك أننا عندما نقول شباب، لا يعني ذلك أن كلهم لم ينضح مهنيا وقكريا، فكثيرون من هؤلاء تتراوح أعمارهم بين الثلاثينيات ومنتصف الأربعينات,  ولهم خبرة وباع في مجالات تخصصهم. وكان من الأولى أن يأخذوا بعض المقاعاد الوزارية ليعطوا لأداء الوزارة حيوية الثورة وتطلعاتها. ولكن على أي حال يبدو أن هذا الأمر جانبيا في ظل خطورة  ما نمر به الآن، ذلك أن الأمر ليس مجرد إختلاف أراء، ولكنه تحديد لمسار هام في مستقبل هذا الوطن.  
 وعلى الرغم من أن الرأي البراجماتي التوافقي الوحيد هو ضرورة إصدار مباديء عامة والسير تبعا لما جاءت به الأغلبية في الإستفتاء، ولكنه ليس كاف للمحافظة على نقاء الثورة وحيويتها. فهو خطوة إحترازية حتي لحماية الدستور القادم من إتجاهات فكرية راديكالية لا تعبر عن جموع آمال وطموحات وثقافة الشعب المصري. ويبدو أن هذا هو المحرج الواقعي الوحيد لهذا الإحتدام في الرأي بين دستور أولا أم  إنتخابات أولا. ولكن أعتقد أن منطق الثورة يستلزم من القضاة والقانونيين الذي كانوا جزء امن هذه الثورة، أن  يهبوا هبة واحدة، مؤكدين أن الإستفتاء في حد ذاته لم يكن يتناسب مع شرعية الثورة، أي أنه غير شرعي، وبالتالي فإن كل ما يترتب على باطل فهو باطل. ومن هنا تبدأ تكوين لجنة للدستور، ويلغي الإعلان الدستوري الذي قام به المجلس الأعلى والذي أعاد فيه بعد تعديلات طفيفة العديد من مواد الدستور الذي سقط، والتي صدم بعضها الجمهور، مثل الحفاظ على خمسين في المائة من العمال والفلاحين في مجلس الشعب. وهذا الإعلان أيضا لا يعتد به. لو أن المجلس الأعلى قد قام به وكان إجراء الإستفتاء عليه، لكانت شرعيته أقوى، ولأصبحت التراجع عن هذا الإعلان وعن الخطوات التي ينبغي أن تؤخد إلى أن يسلم المحلس الأعلى سلطات رئيس الجمهورية إلى رئيس منتخب، مستحيل.
ولكن لتدارك الموقف الآن وكي يمكن أن تكتسب الخطوات القادمة شرعية دستورية، ينبغي أن يكتب دستور جديد تماما ويتم الإتستفتاء عليه، وليكن أحد الدساتير التي شهد لها حكماء الدستور، وعامة القوى الوطنية بالتوازن والجودة مرجعية، يمكن البناء عليها.  وأعتقد أن الإهتمام يجب أن ينصب على شكل الدولة التي يتفق الكثيرون أن تكون رئاسية برلمانية للتناسب مع الثقافة والتاريخ المصري، وأن تنتهي اللجنة من دستور مؤقت يتم بناء عليه إنتخابات رئاسية. وتكون الإنتخابات البرلمانية هي الخطوة الأخيرة بعد قدوم رئيس مصري. ذلك أن وجود رئيس يأخذ إختصاصاته من الدستور الجديد سيخلق إستقرارا يمكن من خلاله أن تكون الإنتخابات البرلمانية معبرة عن الجماهير.  ويجب ألا ينتمي المرشح لرئاسة الجمهورية لأي حزب في هذه المرحلة على الأقل، حتى لا يؤثر على شكل البرلمان القادم.
قد تختلف أو تتفق معي الأراء في هذا الترتيب الذي أجده منطقيا وموضوعيا، ولكن ما أود أن يحدث إجماعا قانونيا عليه، هو أن الإستفتاء على التعديلات الدستورية باطل لأنه يتعارض مع شرعية الثورة، وبالتالي فهو يتعارض مع تولي المجلس الأعلى العسكري لإختصاصات رئيس الجمهورية.  وسيكون معنى ذلك تشكيل لجنة من أجل كتابة دستور جديد فورا وبدون تباطؤ.  هل يمكن أن تنطلق الصيحة والصرخة والطلب هذه المرة من القضاة والقانونيين ليلحق بهم الشعب كله في ضغط مباشر على خط السير نحو تحقيق مطالب الثورة؟ لقد تجاوب المجلس الأعلى العسكري مع كثير من المطالب، وهو مايحمد له، ونرجو أن يسير مع نبض الحماهير وآمالها، لأن الحفاظ على تلك الروح التي قامت بالثورة هو الذي سيدفع مصر إلى النهضة، وتخطي كل الآثار السلبية التي أتي بها النظام متعمدا كي يوقف من هذا المد الجماهيرى. أما إذا فقد الشعب نبضه، سنستمر لسنوات طويلة في عصور ظلام. وهذا ما لا يمكن أن يحدث إن شاء الله. 
لاينبغي لنبض الجماهير أن يهدأ حتى نحقق الأهداف التي رنا إليها الشعب عند قيامه بهذه الثورة الرائعة. لا أستعجل الزمن وندرك جميعا أن تلك الأهداف ستأخذ وقتا، ولكن حتي تطمئن قلوبنا فلا بد أن نسير في الطريق الصحيح بشرعية الثورة، وليس من منطلق "إصلاح نظام قد سقط" . 

Tuesday, June 21, 2011

خطاب أوباما عن الشرق الأوسط ودروس الثورة المصرية د. علياء رافع


إنتظر العالم حديث أوباما مترقبين مواقفه تجاه ما يحدث في البلاد العربية من ثورات، وبالأخص العلاقة بين إسرائيل والعرب في هذه المرحلة الحاسمة من التاريخ الإنساني.  لم يجء الحديث مفاجئا لأي دارس لسياسات الولايات المتحدة في عهد أوباما. الكل يعلم أن كل رؤساء الولايات المتحدة لا بد أن يؤكدون إلتزامهم بأمن إسرائيل وسلامتها والمحافظة على وجودها، وهكذا بدا الخطاب واضحا ومؤكدا لهذا الإلتزام.  ولكن منذ تولي أوباما رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية حاول أن يرسي رؤية جديدة تعتمد على التكامل بين الحضارات وليس صراع الحضارات،  وحاول كذلك أن يبدو خطابه متوازنا بين مصالح إسرائيل وحقوق الشعب الفلسطيني.  وفي خطابه يوم 18 مايو 2011، تحدث مؤيدا لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة ذات سيادة في حدود ما قبل نكسة 1967، مع بعض التعددلات الطفيفة، مما أثار حفيظة الإسرائيليين الذي أعلنوا الرفض الكامل لهذه المطالبة، معللين رفضهم بأن في هذا مايهدد أمن إسرائيل، وأن حديث أوباما يصعد الأمر ولا يشجع على السلام، بينما لخص رؤيته بالنسبة للجانب الفلسطيني في أنهم  يجب أن يعترفوا بوجود دولة إسرائيل، ليمكن لإسرائيل أن تقيم تفاوضا معهم.
وحتى يوفر على نفسه النقد من كلا الجبهتين فلم يدخل أوباما في الجوانب المعقدة للمشكلة الفلسطينية، ويقف على رأسها مدينة القدس، ورفض العرب التام للتنازل عنها، وكذلك عودة اللاجئين ورفض إسرائيل التام لمجرد إدراجها على جدول المفاوضات. ستظل إذن المشكلة الفلسطينية والصراع مع إسرائيل قائما إلى سنوات قادمة، ولكن السؤال هو هي سيتغير النموذج المتكرر الذي رأيناها على مدى أكثر من ستين عاما، والذي إستطاعت إسرائيل فيه أن تلعب دورها السياسي بإستراتيجية واضحة، ومن خلالها تضغط على العرب، ثم تأخذ ما تريد، ودون أن يتعلم العرب الكر والفر، أو التخطيط على مستوى طويل المدى كما تفعل إسرائيل، أو كما فعل اليهود بدءا من الدعوة إلى إنشاء وطن قومي في فلسطين، وهو حلم بدا ضربا من الطوباوية الخيالية، ولكن بطول النفس، والتخطيط المستمر، إستطاع اليهود أن يحققوا هذا الحلم. هل يحلم الفلسطينيون والعرب حلما يقدرون على تحقيقه. أحسب أن الثورة المصرية يمكن أن تلهم الفلسطينيين والشعوب العربية أن تحلم بالعودة، ولكن بإسلوب آخر، وبرؤية جديدة، عرضتها في كتاب شاركت في تأليفه، وقدم له أ.د. إسماعيل سراج الدين، وعدد منقادة الفكر في العالم، وكان المجلس الأعلى للترجمة قد أخذ حق ترجمته إلى العربية، وقامت بالترجمة الأستاذة سهام عبد السلام، ولكن لم يظهر إلى النور حتى الآن. 
لقد حلمت حلما لا تلعب فيه أمريكا دورا في حل المشكلة، بقدر ما تلعب فيه الشعوب هذا الدور. ذلك أن الخروج من الصندوق المغلق الذي وضع العرب أنفسهم فيه منذ بداية نشأة إسرائيل ضرورة، لنرى بعيون جديدة ومن خلال واقع جديد، يفرضه تقدم الزمن. الحلم الذي أراه ممكنا هو أن يتحالف اليهود المقيمين في دولة إسرائيل، والفلسطينيون داخل وخارج إسرائيل ليخلقوا الأمن والسلام للأجيال القادمة، التي ليس لها ذنب فيما حدث في الماضي. وأنا على قناعة أن التعاطف الإنساني الذي يمكن أن يحدث بين الشعبين، من الممكن أن يجعل كل شعب يدافع عن حق الشعب الآخر في الحياة، أي أن يدافع الفلسطينيون عن حق أطفال إسرائيل الذين لم يعرفوا لهم وطنا غير هذه الأرض في أن يستمروا عليها، ويدافع اليهود المقيمون في فلسطين تحت دولة إسرائيل في حق الفلسطينيون أن يعيشوا في سلام وأمن. ويتجمع كل الفريقين ليقاوم إتجاهات القيادات التي تعمل على إبادة الطرف الآخر. ولا يعني ذلك في المرحلة الأولى أن تتحول إسرائيل إلى دولة مدنية، فهي دولة قامت لتستوعب يهود العالم، دفاعا عن أمن اليهود الذي لاقوا إضطهادا من جميع شعوب العالم على مدى تاريخهم الطويل. وإذا شعروا بالأمان مع جيرانهم، ستضعف دافعية الوجود المنفصل عن المحيط الحضاري العربي حولهم، وسيندمجون تدريجيا فيه، ولا يشعرون بالحاجة لأن تكون لهم دولتهم. 
ولكن قبل هذا ومن أجل هذا لا بد لهذه المنطقة أن تبعث في نهضة حضارية جديدة، ظهرت إرهاصاتها في ثورة 25 يناير. وأعتقد أن المباديء والأخلاقيات التي ظهرت في الثلاث أسابيع التي سبقت تخلي الرئيس عن منصبه،  هي الشعلة التي يجب أن نسير على هداها، حيث تجسدت فيها روح مصر وحضارتها التي يجب أن تستمر، والتي يريد البعض أن تموت أن تختفي من على مسرح الأحداث بإشعال هذه الفتن الطائفية المتوالية، وإزكاء نار الفكر المتشدد، القائم على الفصل بين المسلمين وبين أصحاب الديانات المختلفة.  كيف يمكن أن نطالب اليهود في إسرائيل أن يتخلوا عن عنصريتهم، ونحن نخلق عنصرية مماثلة مع أقباط مصر، عنصرية يزكيها التفرقة بين مسيحي مصر ومسلميها في الحقوق والواجبات، التي يدعي من يسمون أنفسهم سلفيون أنهم محقون فيها.
وبالعودة إلى خطاب أوباما، فإن قوله أن يؤيد الشعوب التي تثور من أجل حريتها وحقوقها، فإن هذا قول محتاج إلى إختبار على أرض الواقع، ذلك أن قمع ثورة البحرين، وتجنب الحديث عن النظام السعودي الديكتاتوري، والتردد في تأييد الثورة المصرية في بداياتها يجعل المراقب للأحداث يشك كثيرا في خلوص هذه النية. ولا يجب أن تنخدع الشعوب بهذا الكلام المعسول، أي ينبغي أن نغير من رؤيتنا أن أمريكا هي المنقذ والحليف، وأن ندرك جيدا أن قوة بلدنا هي التي تجذب هذه الدول وغيرها كي تقترب منا في علاقة تعاون وصداقة. وهذا درس آخر من الدروس التي تعلمناها من ثورة 25 يناير. تلك الثورة التي فاجأت العالم، وعلى رأسها الولايات المتحدة. ولم يستطع جهاز المخابرات الأمريكية أن يتكهن بحدوثها.  قد يكون المحللون السياسيون في كل مكان مدركين أن الأوضاع في مصر قبل الثورة كانت ساخنة، وقد يكون الكثيرون منهم قد تكهنوا أن نظام مبارك قد قارب على الإنتهاء، ولكن لم يكن أحد يدري كيف سيحدث هذا. 
وفي كل الأحوال فإن القول أننا يجب أن نكون حذرين من الخطابات السياسية التي صيغت بحنكة  وبلاغة، وألا نعتقد أن الخلاص سيجيء من هذه الدولة أو تلك، لا يعني على الإطلاق أن نعلن عبارات التخوين السياسي والشجب والعداء مع دول تعرض علينا المساعدة.  لقد غيرت ثورة 25 يناير رؤيتنا لأنفسنا، ورؤيتنا للعالم، إذ أصبح واضحا لدينا أن الخيوط في أيدينا وليس في أيدي قوة أخرى، وأن التعامل مع العلم يجب أن ينطلق من ثقة في النفس، أي ألا نعلق كل الآمال على إرادة الغير بنا، وتصبح نظرية المؤامرة غمامة تقف بيننا وبين رؤيتنا ونقدنا لأنفسنا، ولا نعزل عن أنفسنا أيضا عن العالم بنفس الفكر القديم الذي كان يربط بين العزلة وبين الإستقلال الإقتصادي والسياسي. لقد تغير العالم وأصبح متشابكا ومعقدا بدرجة لم يشهدها التاريخ من قبل، ولذا فإن التوازن بين الثقة في النفس والإعتماد عليها، وبين التعاون مع الغير والإستفادة مما يقدمة تحدي علينا أن نواجهه، ولتكن رسالتنا التي تحكم كل توجهاتنا ليس إتخاذ موقف عدائي مع هذه القوى أو تلك، بل إزالة الحواجز والأسباب التي تؤدي إلى الصدام والصراع، ونشر حضارة مصر بما تحمل من رغبة في نشر قيم السلام والمحبة بين البشر أجمعين. هذه هي روح ثورة يناير.