Tuesday, August 3, 2010

النظام السياسي القادم وبناء مستقبل مصر د. علياء رافع


إزدحمت الأفكار في رأسي وأنا في متن الطائرة العائدة بي إلى وطني الحبيب، بعد زيارة للولايات المتحدة، و في كل مرة أعود فيها إلى مصر وتقترب الطائرة من أرضها يخفق قلبي فرحا، وأتطلع إلى رؤية بلدي بشوق شديد، وينتابني شعور بالراحة والسلام والأمان. كانت أفكاري تدور في أكثر من اتجاه. فتلك الزيارة كان لها طعم خاص، ولقد اعتدت أن أذهب إلى العاصمة واشنطن كثيرا لأسباب عائلية في الأغلب، وعلمية في أحيان أخرى. ما تذوقته في هذه المرة كان مختلفا، ربما يكون ذلك لأنني إعتدت على رؤية هذه المدينة، وربما لأن حبي لبلدي وأملي في أن يعتني بها أبناؤها قد غلبني، وربما وربما ... ولكن في النهاية كنت أسير في واشنطن، وأتذكر الثراء المعماري والحضاري الذي تذخر به بلدي.
وبينما أنا في واشنطن، أخذت مخيلتي ترسم صورة مركبة من الشوارع العريضة والنظام المروري الدقيق الذي أستمتع به في هذا البلد وبين أحياء القاهرة القديمة، ووسط البلد، والجيزة، وكل حي من أحياء القاهرة وكل بلد في مصر.  أي أنني تصورت أنني أستطيع أن أسير في شوارع مصر بنفس هذا اليسر وأنه يمكن أن أقود أو أركب سيارة، واستمتع بقيادتها أو أشعر بجمال الانتقال من مكان إلى آخر وسط هذا الثراء الحضاري الذي تقف واشنطن خجلة أمامه. أسعدني هذا الخيال كثيرا، لأن هذا الحلم إذا تحقق، لأصبحت مصر بلا منازع من أجمل بلاد العالم. ولكن أفقت على الواقع فهناك الكثير من الجهد يجب أن يبذل حتي نستطيع أن نمزج بين الماضي العريق بكل ما يحمل من قيمة، وبين الحاضر الذي يذخر بالنظام والدقة في البلاد المتقدمة. ولكن ما جعلني أعتصر ألما أن هذا المزج ليس مستحيلا، ولكننا متهاونون في تحقيقه.  فهناك انتهاك لعظمة بلادنا واحترامها، وكل فرد منا مسئول عن هذا.
 في هذه الزيارة الأخيرة، تهاوت أمامي صورة أقوى دولة في العالم، وبرزت أمامي حضارة عظيمة يجب أن تعيش في الحاضر ولا تظل مدفونة في ذاكرة تاريخ ميت. إن كل حي من أحياء القاهرة يشهد بطبقة من طبقات التاريخ وبإنجاز  قدمته مصر. وسر الحضارة في قيمة الإنسان فيها، وقدراته الخلاقة، الحضارة ليس آثار، ولكن الآثار هي رسائل حية إلى الإنسان الآن في الحاضر. وقفز إلى ذهني ذلك الكتاب الذي أعطتني إياه صديقة للسير كنز روبنسون، والذي كان له أثر بالغ في ميدان التعليم والتربية، ويسمى بالإنجليزية The Element ومن الصعب ترجمة الكلمة ترجمة تنقل أراده الكاتب، فهو يريد بهذا المصطلح أن يشير إلى نقطة الإلتقاء بين الإمكانيات الخلاقة التي يتفرد بها كل إنسان وبين القدرة والرغبة على تفجيرها، وإذا حدث هذا أصبح الإنسان قادرا أن يعيش حياة مفعمة بالقيمة والخلاقية والعطاء، ويعطي هذا الكتاب أمثلة كثيرة لشخصيات معروفة في كل  الميادين سواء فن أو رياضة، أو اقتصاد وسياسية وغيرها، حققوا نجاحهم لأنهم وجدو نقطة الإلتقاء بين ما يتشوقون إليه، وبين ما حباهم الله به من إمكانيات، ويتحدث الكاتب عن دور التعليم في تدعيم الفرد أن يجد نقطة الإلتقاء هذه.  وإذا بالإفكار المشتته تترابط، فالتعليم هو أحد العوامل الأساسية لتحقيق نهضة لمصر. إنه تلك النوعية من التعليم التي لا تنظر إلى المواطن على أنه مجرد سلعة، ولكنها تنظر إليه من منظور إنساني، يفجر إبداعه وقدراته، فتعود الثمرة على المحيط الاجتماعي ككل.  
إن قدرات الإنسان المصري الكامنة هي رهاني دائما في كل مناقشة تسود فيها الأحاديث المتشائمة عن مستقبل مصر، وأومن من أعماقي أن هذا الشعب إذا أعطيت له الفرصة من خلال هذه النوعية من التعليم التي تحدث عنها السير روبنسون، وآمن أن النظام يقوم على العدل والمساواة، وشعر بأن قياداته تطبق على نفسها مبدأ الشفافية، وشعر أن حلمه القومي هو صمام الأمان لآماله وأحلامه، لحققت مصر في وقت قياسي وثبة كبيرة إلى الأمام، ولكان سباقها مع الزمن فوق الحسبان. أشعر بهذه النبضة الحية المبشرة في طالباتي اللائي يتجاوبن معي في المحاضرات، ويسعدنني بتعليقاتهن، وأري في أعينهن الأمل والحلم يتألق. وأشعر بنبض مصر في الفنون الجميلة، وفي محاولة الشباب أن يخرج من اليأس إلى الأمل بكل الطرق الممكنة، على كثرة ما يواجهه من المعوقات. وأرنو إلى المستقبل بشغف لأن كمية من أسعدني الحظ بلقائهن من المثقفين، والعلماء، ومن أقرأ لهن من الكتاب فخر لأي بلد.
لا يعني هذا إطلاقا أنني مغمضة العينين عن انتشار الفساد، والتطرف، والجريمة، واليأس، والانسحاب من المشاركة المجتمعية، وتغلب القيم المادية، والاهتمام بالمصالح الفردية، والفوضى المنتشرة في كل مكان. بل إن كل هذه السلبيات هي التي يجب أن تخلق في نفوسنا التحدي، والرغبة في التغيير.  وعلينا أن نتذكر أن أثناء حرب أكتوبر 73،  توقفت الجرائم، وأن يوم 26 فبراير 87 ، أخذ الناس دور الشرطة في تنظيم الشوارع، عندما حدثت حركة عصيان في قوات الأمن المركزي. هذا ما يجعلنا ندرك أن مظاهر الفساد والانهيار الأخلاقي هي أعراض لمرض، ليس من المستحيل علاجه، ولكنه يتطلب رؤية جديدة، ويتطلب أسلوبا جديدا في النظام السياسي، قائم على الثقة بين الشعب وقياداته وحكومته.
أقول قولي هذا ونحن مقبلون على انتخابات مجلس الشعب، ثم انتخابات اختيار رئيس الجمهورية. وعلى الرغم من احترامي وتقديري للرئيس مبارك، وثقتي في وطنيته، ورغبته في أن يحافظ على أمن هذا الوطن، وعلى رفاهة شعب مصر، إلا أنني أتحفظ في مقاومته للمطالب التي يدعو إليها د. البرادعي، والتي أجد فيها الملاذ الوحيد الذي يمكن أن يخرج شعب مصر من السلبية إلى الإيجابية، وأعتقد أن الرئيس إذا استجاب لهذه المطالب لحفظ التاريخ له مكانته وإسمه. بل وقد يكتسب شعبية كبيرة قد تدخله إلى كرسي الرئاسة مرة أخرى، ولكن هذه المرة بإرادة حقيقية، وليس لأنه لا يوجد بديل له، أو للشك الذي يصل إلى اليقين في تزوير الانتخابات.
وقد تبدو كلماتي صرخات في الهواء، وعلى الرغم من هذا أقول ما أعتقد، وهذا مايبعث في قلبي الأمل. نعم .. فهناك تلك المساحة الصغيرة جدا التي لم تنطفيء بعد، إنها مساحة إبداء الرأي.  ولمن عاش عصرا كان يخشى فيه الأباء الحديث أمام أبنائهم منتقدين نظام الحكم، خوفا من التعرض لزوار الليل الذين يأخذون الناس إلى غير رجعة، يدرك أن هذا العصر على ما فيه من سلبيات، ولكن به كثير من الإيجابيات، منها أننا نقول ما نريد أن نقول حتي ولوكان صرخات يرجع صداها إلى آذاننا.
ولكن ما الذي يمكن أن يحدث لهذا الشعب إذا شعر كل فرد فيه أنه قادر على المشاركة في كتابة تاريخ بلاده، وتغيير نظامها؟  ماالذي يمكن أن يحدث إذا اشتركنا جميعا في حلم قومي واحد، واجتمعنا لتحقيقه؟ نحن –الشعب المصري – الذي يرسم ملامح هذا الحلم، كلنا يشارك في تحديد ملامحه، وكلنا يلعب دورا من أجل الوصول إليه. إذا حدث هذا لعادت مصر إلى مصر.  وأقول لطالباتي لقد حقق الإنسان المصري معجزة ببناء جبل عملاق إسمه الهرم، وهذا الصرح القابع في هضبة الجيزة يرسل لنا رسالة هامة، فلا يجب أن نجعل الهرم مصدر فخر لأنه يعبر عن الماضي العظيم، ولكن يمكن أن نجعله قيمة تعيش فينا لنخلق المعجزات، ولن يحدث هذا إلا إذا تجمعنا، ونحن نعرف إلى أين نسير، وما هو الهدف.  لا ينبغي أن يضع لنا أفراد أهدافا ويدفعوننا للسير إليها، أو يشترون صمتنا بخدمات هي حقنا. إننا في حاجة إلى قيادة تخرج هذا المارد القابع في أعماق المصريين، وتمكنه أن يأخذ دوره في الخروج من مأزق الانحدار، إلى تحدي التقدم والإزدهار، حينئذ يمكن أن يهنأ قلبي، وأستطيع أن أسير في شوارع مصر بتلك الراجة التي أسير فيها في واشنطن، ولكن شتان بين البلدين، فهذه بلد إذا أستعادت شخصيتها ستظل تحمل رسالة القيم الأخلاقية العليا والنبل والعطاء، وتلك بلد سيخجل أبناؤها لما سببته لبلاد العالم من أهوال وشقاء. ويتوقف الأمل فهو رهن بما ستحمله الأيام القادمة: هل سيتمكن شعب مصر أن يأخذ دوره؟ 

Tuesday, July 27, 2010

في ذكري ثورة يوليو: النظام العربي الجديد د. علياء رافع


يوشك العقد الخامس من ثورة يوليو أن ينقضي، أي أنه قد مضى أكثر من نصف قرن على ثورة غيرت مسار التاريخ في هذه المنطقة من العالم، بل وامتدت آثارها خارج نطاق بلاد العرب إلى شعوب العالم قاطبة التي كانت تتطلع إلى الحرية والاستقلال، ووجدت في شخصية جمال عبد الناصر وقدرته على المواجهة وإصراره على إستقلالية بلاده مثلا، سار على نهجه كثير من قيادات العالم الثالث الذي كان يرزح تحت نير الاستعمار. وبعد مرور هذه الأعوام تبخر الحلم إلى الحد الذي جعل الحديث عن التعاون العربي ضربا من الكلام الطائش، وإلى الحد الذي جعل شبابنا لا يري أي رباط يربطه بغيره من شباب العرب.
وإذا تأملنا ما حدث في خلال النصف القرن الماضي، لوجدنا أن إنطفاء شعلة الحلم العربي قد واكبت هزيمة الخامس من يونيو 1967، ولكنها شهدت مرضا عضالا بعد مبادرة السلام عام 1977، واحتضرت مع الهجوم العراقي على الكويت عام 1990، ولذا أصبح الحديث عن حلم عربي أو مشروع عربي ضربا من الكلام الذي لا يرتكن على الواقع. ولكن السؤال هنا هل يعني هذا أنه لا يمكن أن يكون هناك أمل في نظام عربي جديد، بأجندة مختلفة وأيديولوجية جديدة؟
تتطلب الإجابة على هذا السؤال رؤية الواقع العربي الآن الذي أصبح مشتت الانتماءات، متعدد النزعات، مختلف الأهداف. ولا ينبغي أن نقفز على هذا الواقع معللين الحال بالمؤامرة الغربية التي استهدفت هذا التشتت، ذلك أن هذا الانهيار هو نتيجة طبيعية لعوامل متشابكة، أهمها هو أن الأنظمة العربية لا تجد القاعدة الشعبية التي تستمد منها شرعيتها، فالأغلب الأعم في هذه الأنظمة أنها تفرض وجودها بشكل قسري، وتتحلي بواجهة ديمقراطية صناعية غير حقيقية، حتي تتجنب االنقد من عالم الشمال الغربي المتقدم، وحتي يمكن أن تفسح لنفسها مجالا داخل النظام العالمي الجديد.  في ظل هذه الأنظمة الشمولية التي تستبعد القاعدة الشعبية من المشاركة في التخطيط للمستقبل والمشاركة في الأمل، يصبح من الأهمية بمكان أن ينشغل المواطنون بحياتهم اليومية، ويسيرون في دائرة البحث عن لقمة العيش وتحسين مستوى المعيشة بكل السبل الممكنة، ولا يعيروا إهتماما بعد ذلك لأهداف كبرى وطنية أو إقليمية. ويتيح هذا الإنشغال لأنظمة الحكم أن تستمر في السلطة لأكبر وقت ممكن، إن لم يكن إلى الأبد.
ومع مضي الوقت إنطفأت تلك الجذوة التي كانت تحرك شباب جيل الثورة الذي أصبح الآن في سن الكهولة، والذي أخذ يتآكل مع الزمن، وأصبح شبابنا اليوم غير قادر على أن يرى أهدافا عظمي تحركه، أو آمالا كبيرة تجعل لحياته معنى وغاية.  وليس هذا حكما ناقدا لهذا الشباب، ذلك أن الكثيرين من شبابنا يسيرون في إتجاه المقاومة، ويبدعون في تكريس جهدهم لإعادة الانتماء إلى الوطن، عن طريق الفنون من ناحية، أو الأنخراط في أعمال تطوعية من ناحية أخرى، ولكنها جهود فردية، تلمع أحيانا، وتنطفيء شعلتها في أحيان كثيرة أخرى.
ونجد أيضا أنه في ظل الاتجاهات المتطرفة، وجد الشباب إنتمائهم خارج حدود بلادهم من خلال الأيديولوجيات التي تدعو إلى إستخدام العنف، والثورة على المجتمع بالكامل، أو تدعو إلى الإنسحاب إلى حياة العزلة وعدم المشاركة السياسية أو الاجتماعية، إنتظارا لتغيير النظام.
 وأعتقد أنه لا بد من تصور لنظام عربي جديد، يختلف في معطياته عن المعطيات القومية التي غذت الحلم العربي قديما، ويعتمد في الأساس على رؤية الانتفاع بهذا الامتداد الجغرافي والثراء البشري والمادي والبيئي للمنطقة في ظل عالم يسود فيه فكر تحالف الدول في كيانات كبرى. وعلى سبيل المثال فإن أوروبا اليوم تمثل كتلة إقتصادية قوية، ولا يعني هذا على الإطلاق أن هناك إندماج ثقافي أو إيديولوجي أو سياسي بين دول أوروبا. قد يكون التعاون الاقتصادي مقدمة لاندماج سياسي، ولكن لا يقود بالضرورة إلى هذه  النتيجة، وليس مطلوبا أن يثارحتى على المستوى الفكري  في هذه المرحلة.
ومن الأهمية بمكان أن يكون هناك مساحة في النظم التعليمية والإعلامية لقراءة هذه الحقبة من تاريخنا، تلك الفترة التي شهدت تصاعدا في الحلم القومي، والتى كانت فكرة الوحدة العربية أقرب إلى الحقيقة منها إلى الحلم، وكأنها قاب قوسين أو أدنى، وهذا ليدرك أبناؤنا لماذا اختفي هذا الحلم، وتكسر على أعتاب الهزيمة العسكرية، وليدركوا أنه عندما يلعب القادة بمستقبل الشعوب فإنهم يهزمون أحلامهم قبل أن يهزمهم عدوهم.  إن دراسة التاريخ ليس من أجل لعنة الماضي وما حدث فيه، ولكنها من أجل معالجة الواقع الراهن والإنطلاق منه إلى عالم مستقبل فسيح واسع.
إذا إتضحت هذه الرؤية يكون من الممكن أن يتغير دور جامعة الدول العربية، فبدلا من تحولها اليوم إلى كيان سياسي منهار، لا يقوم بدوره في تجميع سياسات العرب تجاه المشاكل العربية والعالمية بصورة فاعلة، يمكن أن يستهدف على المستوى القريب تسهيل التعاون الاقتصادي والاجتماعي والتعليمي، الذي يساعد على تنمية شعوب  هذه المنطقة بصورة مطردة ومدروسة. ولا شك أن هذا التعاون سيؤدي إلى مزيد من الاتصال والتواصل بين الشعوب عن طريق المنظمات المستقبلية المشتركة، وهو ما يؤدي إلى إعادة الشعور بالإقتراب الثقافي والوجداني بينها.  وإعادة بناء ثقافة تدعمها الأخلاق التي دعت إليها جميع الأديان، دون أن يكون هناك تعصب بأي شكل، ويغذيها الاطلاع على تاريخ هذه المنطقة من العالم، وأدوارها المختلفة في بناء الحضارة الإنسانية، وتتطلع هذه الثقافة إلى التفاعل مع الحضارات والثقافات في كل مكان، ليس من منطلق إستعلائي، أو من منطلق الشعور بالدونية، ولكن بإدراك ما قدمناه للعالم من معرفة، وإستعدادنا أن نتعلم منه ما ينفعنا، ونضيف إليه. أي لا يكفي أن نكون مستهلكين للمعرفة، ولكن لا بد أن نكون منتجين لها كذلك.
ولا يسعني في هذا الصدد إلا أن أشيد بدور المجهود الذي يلعبه قسم السكان والهجرة في جامعة الدول العربية، الذي  شاركت في نشاطه فيما يخص مشروع تمكين الشباب على مستوى العالم العربي، ولقد استطاع هذا القسم يجمع قيادات شبابية قادمة من المجتمع المدني من خلال مجهودات خاصة، وقد أقام بالفعل شبكة إتصالية بين هذه القيادات  على مستوى العالم العربي كله.
أتصور أن النظام العربي الجديد لا ينبغي أن يتغنى بالشعارات، أو يقوى من خلال تعظيم خطورة الأعداء، ولكن ينبغي أن يقوده التطلع إلى مستقبل أفضل لشعوبنا العربية، حتي نكون فاعلين ومساهمين في بناء حضارة إنسانية يمكن أن تغير العالم، فنحن نملك الزخم التاريخي الذ يؤهلنا أن نلعب هذا الدور. ليست هذه مبالغة، بل هي حقيقة لكل  من يقرأ تاريخ هذه المنطقة، ويستوعب الوعاء القيمي والأخلاقي الذي تحمله، والثراء الحضاري والعلمي الذي حققته.  

Tuesday, July 20, 2010

تخطي الثنائيات بين الرؤى العلمانية والدينية د. علياء رافع



يعطي التطلع إلى المستقبل الأمل في الحياة، ويضفي على كل ما يقوم به الإنسان معنى، ولذا فإنه على الرغم من النظرة السوداء التي تلوح في الأفق كلما ذكرت العولمة، فإن مقالة الأستاذ الكبير السيد ياسين عن الوعي الكوني، قد قدمت بصيصا من الضوء، لابد أن نغذيه بالدراسة والفكر والعمل.  وقد أبدع الفيلسوف الألماني هيجل المنهج الديالكتيكي الذي يرى فيه أن كل فكرة تخلق نقيدا لها، ولكن يمكن الجمع بين المتناقضات في حركة ديالكتيكية  صاعدة.  وتبنى كارل ماركس هذا المنهج  في تحليله لحركة التاريخ، وأشار إلى أنه قد أعاد هذا المنهج في وضعه الصحيح  ليقف على قدميه بدلا من قوفه على رأسه، مشيرا بذلك إلى أن العلاقات الإقتصادية ونمط الانتاج هي المعول الأول في تحديد المسار التاريخي، لأنها تحدد علاقات القوة، وما الفكر إلا تعبير عن علاقات القوة في المجتمع ولا يوجد بمعزل عنها. أي أن حركة التاريخ يحكمها الإقتصاد وليس الأفكار.  ويمكن القول أن هذا الميل نحو الإقتصاد بإعتباره العامل الأول في حركة التاريخ فيه نوع من الإستقطاب، يتساوي مع إلغاء الواقع الاجتماعي بكل تجلياته في مقابل الواقع الفكري المنعزل عن البيئة التي نشأ فيها.  ولذا فإنني أظن أن العلاقة بين الواقع الإجتماعي (حيث يلعب الاقتصاد دورا رئيسيا) والواقع الفكري (حيث تحتل رؤى العالم موقعا محوريا) علاقة تفاعلية، يصعب التأكيد فيها أن أحد الجانبين له الأسبقية على الجانب الآخر.
إنطلاقا من هذه الرؤية سأقترب من منطقة شائكة، كلما ولج فيها مفكر أو مبدع، انقلبت عليه الدنيا ولم تقعد، فهو إما علماني، يتهم بأنه منكر لقدسية الوحي، كما حدث مع د. نصر حامد أبو زيد (رحمه الله)، أو إذا ذهب إلى الكفة الدينية، فهو سلفي سيعود بالزمن إلى الوراء. ولعل القاريء إتضح له ما الذي أعنيه بالمنطقة الشائكة إنها المنطقة التي تجعل العلمانية والتدين كأنهما أمران متناقضان، أو بعبارة أصح هما خطان متوازيان لا يمكن إن يلتقيان إلا في المطلق. ويمكن القول إن هذه الرؤية هي رؤية إختزالية، لأنها لا تري المفاهيم الكبري في تطورها عبر الزمان والمكان وتغيرها وتلاحمها مع التطور المعرفي والاختلافات البنائية والثقافية.
ذلك أن العلمانية الغربية هي حركة فكرية سياسية تحررية، إستطاعت أن تتخلص من تبعية السلطة الحاكمة للكهنوت الكنسي، وغيرت من هذا الاختلاط بين الحاكم بصفته على قمة هرم اجتماعي سياسي، وبين الحاكم بوصفه ممثلا أو ظلا لله على الأرض. وتم التخلص من هذه القوة السلطوية الشمولية البطراركية عن طريق الثورة، التي احتلت فرنسا فيها مركز الريادة. ولقد تأثر العالم الإسلامي بهذه الحركة، عندما أعلن أتاتورك إنهاء الخلاقة الإسلامية، والاعتماد على القوانين الوضعية، بدلا من الفقه الإسلامي في تنظيم المجتمع. ولقد إستطاع أتاتورك بتلك الخطوة الجريئة أن يدفع تركيا خطوات إلى الأمام في الاتجاه الحداثي، مما ساعد على تقدمها في مجالات عديدة. ولقد كانت هذه الخطوة في وقت له خصائصة حيث بلغ التجمد الفقهي أقصاه مع نهايات الدولة العثمانية، ولكن كانت لهذه الخطوة نتائجها السلبية، لأنها خلقت أجيالا غير مرتبطة بجذورها الإسلامية، ومترددة ما بين القيم الثقافية الغربية، وما بين القيم الإسلامية.
ولقد بينت في مقالات سابقة إننا في حاجة إلى إستعادة رؤية إسلامية إنسانية تتسم بالرحابة والاحتواء، وليس بالتجمد والإقصاء، ويرى البعض أن التقيد بالنص سيوقف العقل عن الاجتهاد، يفضلون أن يطرحوا  تجارب القدماء جانبا، ويتجهوا  إلى ما هو خير للبشر مستفيدين من التجارب الإنسانية قاطبة، ويرون أن  من يريدون أن يربطون بين تنظيم المجتمع وبين التشريع الإلهي فإنهم يتجهون إلى وضع رجال الدين وفقائهم على قمة الهرم الاجتماعي، متحكمين ومسيطرين على الأمور كلية، ويري البعض الآخر أن الإسلام من حيث هو دين شمل كل جوانب الحياة، فإن الجانب التشريعي فيه جانب مقدس لا يمكن أن يتغير أو يتبدل بأي صورة ولأي هدف لأنه يحتوى على حكمة لا نعلمها ولكن يعلمها الله وحده، ولكنها في النهاية من أجل مصلحة الإنسان.
ولكل من الاتجاهين منطق له وجاهته،  ولكن القضية ليس جدلا فكريا، إذ أن الأجدر بالإهتمام هو كيف يتحرك أي منهما على أرض الواقع،  فالشمولية والتحكم والسيطرة ليست حكرا على الفكر الديني السلفي، والحرية والانطلاق والإبداع ليست حكرا على الفكر العلماني أيضا. ولذا فإن الجدل بين الطرفين جدل عقيم ما لم نتجه إلى رؤية تبدأ من الواقع ولا تقفز عليه.  ومن المثير للإهتمام حقا أن العلاقة بين الوحي الإلهي وتنظيم المجتمع، كانت إستجابة لمتطلبات واقعية، ولهذا جاء التشريع منجما ولم يجء مرة واحدة.
يمكن أن نضع يدنا على سبب التناقض بين الرؤية الدينية والرؤية العلمانية في أن أحدهما يرى أن التشريع يجب فرضه على  الواقع، أيا ما كان هذا الواقع، والآخر يرى أن التشريع ينبثق من قراءة الواقع ويخدمه. فأما من يقولون بأن التشريع مفروض على الواقع فهؤلاء يضعون المقاصد التي ترضيهم، حتي عندما يتحدثون عن المصالح المرسلة، ودرء المفاسد. وأما الفريق الآخر، فإنه لا يستفاد الاستفادة الكافية بما وراء الخطوط العريضة التي يقدمها النص الديني والقابلة للقراءة وإعادة القراء، والتفسير والتأويل بلا حدود.
وعلى سبيل المثال فإنه من العار ونحن نعيش في القرن الواحد والعشرين أن نجد أن قانون الأحوال الشخصية الذي يقال أنه مستنبط من الشريعة الإسلامية ،ينص على أن من حق الزوج على الزوجة الطاعة، ومن حقها عليه الإنفاق، ويترتب على هذا أن خروجها من المنزل غاضبة أو لأي سب آخر نشوذ، وله الحق في أن يعيدها إلى الحياة الزوجية بقوة القانون فيما يسمي ببيت الطاعة. وتعطي شهرا واحدا، وبعد ذلك للزوج أن يطلقها بدون أي حقوق لها عليه لأنها ناشذ.  وما أريد أن أوضحه في هذا المثال، أن هذه الرؤية للعلاقة الزوجية، يخرج بها من إطار المودة والرحمة، إلى إطار آخر تنتهك فيه كرامة المرأة، وتفقد العلاقة الإنسانية معناها ومدلولها. هذا بالإضافة إلى أنها لا تساوي بين الرجل والمرأة، فيمكن للرجل أن يهجر بيت الزوجية لفترة غير معلومة، دون أن يكون في هذا لوم أو تقصير، بل وإن العقاب البدني من الزوج لزوجته – مالم ينتج عنه عاهة أو إصابة بالغة – يعتبر نوع من التأديب والزجر المسموح به قاونا (بناء على الشريعة). وهذا التطبيق غير الإنساني لفهم بعض الفقهاء عن "مقاصد" الآيات القرآنية، يجعل الكثيرين لا يملكون الشجاعة الكافية للولوج في هذه الساحة، خوفا من إتهامهم بالزندقة والخروج على الدين. ذلك أن من يهاجم مثل هذا القانون كأنه يهاجم التنزيل ذاته.  ولذا فإنه إختصارا للطريق، يحاول العلمانيون ألا يدخلوا في دائرة مغلقة، من الصعب الولوج إليها، وينادوا بقوانين وضعية تتلاءم مع العصر ومتغيراته.
إذا انطلقنا من واقعنا دارسين ما يجتاجه المجتمع حتي  يتقدم وينهض، يمكننا أن نستفاد من تجارب الشعوب من ناحية، وأن نعيد رؤيتنا للنصوص من ناحية أخرى مستنبطين منها ما يلاءمنا. ولذا فإن الاتجاه الذي أدعو إليه من شأنه أن يفتح بصيصا من الأمل في ألا نتخلى عن الهدي الإلهي، وفي نفس الوقت أن يكون الواقع هو المرشد الحقيقي لإعادة قراءة النص. إن المرأة التي تحدث عنها الإسلام، والتي تحظي الآن بكافة الحقوق المدنية، والتي تشغل أعلى المناصب في الدولة ليس تابعا لزوجها ولكنها رفيق وشريك له في الحياة.  لا يعقل من وزيرة يطلبها رئيس الوزراء لاجتماع طاريء أن ترفض دعوة رئيس الوزراء لأن زوجها في الخارج، وهي لم تأخذ إذنه. ولا يعقل أن الزوجة التي تذهب إلى بيت أمها المريضة مع إعتراض زوجها تعتبر ناشذ.   إن هذه النظرة الضيقة لمقاصد الشريعة أو مباديء الشريعة، هي التي جعلت بلدا مثل أفغانستان يعيش في عصور الظلام، تحت نظام حكم طالبان، وهي التي تصبغ العالم الإسلامي بتلك الصبغة التي يراها البعض نقيد مباديء التقدم والحداثة وما بعد الحداثة.   
والتخلي عن الفهم وإعادة الفهم في النص الديني يحرمنا من جانب آخر من رؤية قد تنير لنا الطريق، وتضعنا مع أنفسنا ومع من حولنا في سلام وأمن. وعلى سبيل المثال ما دمنا نتحدث عن المرأة،  فتلك  الرؤية للقداسة التي أعطاها الله للعلاقة بين الرجل والمرأة والتي لا بد أن تكتمل من خلال الإشهار بإعلان الزواج، تحمي أبناءنا من الانزلاق مع شهواتهم دون تحمل العواقب. وهذا الالتزام بالعفة والنقاء يعود على الفرد والمجتمع بالاستقرار النفسي والأمان. إن هذا الإلتزم الأخلاقي لا يتم تحت أي قانون، ولكنه الرؤية الكلية التي يوفرها الدين لاحترام الإنسان في كافة علاقته، والخروج به من رؤيته في جانبه الغرائزي البحت إلى رؤية كلية تحترمه جسدا وروجا.  ولهذا لا يمكن أن يكون الزواج عبودية للمرأة في ظل سيادة ذكورية، وإستخلاص هذه النتيجة وجدها كفيل بإعادة صياغة القانون سابق الذكر.  
ما أريد أن أخلص إليه في هذه القضية الهامة والشائكة أن البدء من الواقع وما يذخر به من تعقيدات، من ناحية، والتدبر فيما هو أفضل للإنسان والمجتمع على المستوى الإنساني والنفسي والروحي من ناحية أخرى، يجعلنا قادرين على التحرر من جمود الفكر السلفي الذي يقدس الأقدمين، ويقترب بنا من الفكر الإنساني العالمي، مستفيدين من كل ما هو أفضل للإنسان، مدركين أنه يمكن عندما نكون مستعدين نفسنا ومعنويا وفكريا لرؤية جديدة لتعاليم ديننا، ستقدم لنا القراءة في النص المقدس رؤية تساعدنا على الخروج من الجمود إلى رحابة الحرية والانطلاق، وتنكسر تلك الحواجر بين الرؤية الدينية والعلمانية.    

Tuesday, July 13, 2010

الوجه المشرق للعولمة: وعي كوني جديد في إطار حركة عالمية لثقافة جديدة د. علياء رافع


لقد غمرني شعور بالإعتزاز والتقدير للأستاذ السيد ياسين عندما علق على دعوتي لبدء حركة عالمية لثقافة جديدة، وهذا ليس غريبا على أستاذ عظيم كان يهتم بكل فكرة لها قيمتها، دون التركيز على ضخامة الإسم. كان هذا عهدي به دائما عندما كنت طالبة في الجامعة الأمريكية، أدرس معه مقرر المجتمع العربي، وأطرح أفكاري فيشجعني ويستجيب إلى ما أقول بتقدير واحترام،  وأنا مازلت بعد طالبة علم في بدء التكوين والتطلع إلى المعرفة.
ولقد أثلج صدري ما ذكره عما تقوم به منظمة الأمم المتحدة للتعليم والعلوم والثقافة والمعروفة بإسم اليونسكو من جهود من أحل ثقافة السلام، وهي الغاية المنشودة بالفعل في العلاقات الدولية والإقليمية والإنسانية والتحاورية.  ولكن ما يجعلنا أكثر تفاؤلا واستبشارا هو بزوغ ما أطلق عليه المفكر الكبير "الوعي الكوني الجديد"، وذلك في سلسلة من المقالات السابقة، وهذا الوعي يتجاوز الثنائيات المتضادة، وينطلق إلى مجال جديد في الرؤية، من حيث بلورة الأهداف الإنسانية والتوجه العملي نحو تحقيقها. وهو يقول نصا: " لقد تبين من البحث أن هناك بزوغا لحضارة إنسانية جديدة وثقافة كونية آخذة في النمو علي إنه العالم‏,‏ وهذه النقلة الكيفية أشبه بالنقلة من المجتمع الزراعي الي المجتمع الصناعي‏."
 ومن خلال إعادة قراءتي لما كتبه من مقالات على مدى الثلاثة شهور السابقة، أود أن أشير هنا  إلى إن هذه العبارات لها شواهدها على أرض الواقع كما أشار إليها،  تتمثل أولا  في يقظة الضمير العالمي تجاه حصار غزة وقيام قافلة الحرية، ثم راشيل كوري، والتأكيد على إستمرارية هذه القوافل من أجل الإغاثة الإنسانية.   وثايا كما أن ذكر أيضا أن أفاقة العالم الغربي على أهمية التضافر من أجل مواجهة الكوارث الطبيعية تعبر عن هذا الوعي الجديد ، وثالثا تغير فكرة الأمن القومي إلى الأمن الإنساني التي أصبحت فكرة تؤيدها الأمم المتحدة.
وقد رسم الأستاذ السيد ياسين سمات لهذا الوعي الكوني –حيث يمكن الرجوع إلى مقالاته تفصيلا في هذا الشأن – والواقع أن كل مقال من الممكن أن يتولد عنه مشاريع بحثية، تتداخل فيها العلوم الاجتماعية والإنسانية وتتكامل من خلال المناهج البينية interdisciplinary وأو المناهج المتعددة multi-disciplinary، ومن هنا فإن من الأهمية بمكان أن تتبنى المراكز البحثية على المستوى المحلي والعالمي، بعضا من الأطروحات التي يقدمها لتكون مشاريع بحثية متكاملة. وأحب أن أشير في هذا الصدد إلى أن  دراسة جماعات العنف السياسي يجب أن تأخذ منحى جديد، حيث لا يكتفي بالتشخيص فقط – على أهميته – ولكن لا بد من دراسة آليات لتحويل  إتجاه العنف، إلى إتجاه التعامل مع الواقع  والخروج من مأزق العداء إلى منطق التضامن من أجل خير الجميع.  وإضافة إلى هذا  فقناعتي أن الوعي الكوني والحضارة الإنسانية الجديدة التي أخذت ملامحها تتشكل في بعض التوجهات العابرة للثقافات والقوميات، في حاجة إلى مزيد من التحليل، حتي يمكن أن يتحول الفكر الديني الإسلامي إلى هذا البعد الإنساني، ويتحرر من آثار القبلية التي شوهت صورته في مناطق كثيرة من العالم.  وهذا التوجه البحثي هو خطوة في منظومة شاملة من أجل الحركة الثقافية الشاملة التي تقوم على تغذيتها اليونسكو، وبعض مؤسسات المجتمع المدني في مختلف أنحاء العالم، وأيضا بعض المراكز البحثية محليا، والمؤسسات الثقافية ذا التوجه الدولي،  على سبيل المثال ما تقوم به مكتبة الإسكندرية من أنشطة متنوعة في ترسيخ حوار الحضارات. 
 و إستمرار للحركة الثقافية التي أدعو إليها، فإنني أبادر هنا بطرح قضيتين هامتين  بغية إثارة بعض من العصف الذهني بشأنهما، وإستهدافا للتخلص من الاستقطاب الفكري الذي يسبب صراعات غير ضروروية أو تناقضات مفتعلة.  وأطرح هاتين القضيتين لأهميتهما بالنسبة لنا في المجتمع المصري على وجه خاص، وللعالم الإسلامي بوجه عام.  تتمثل القضية الأولي في النسق المغلق الذي يشوب معالجة مفهوم الإسلام وتحديد الهوية الإسلامية، حيث أهدر المسلمون عنصر الرحابة والإتساع الذي إتسمت بها تعاليم الإسلام، ودخلوا بها في خندق التعصب والتقوقع، وصناعة مستمرة للعدو في الخارج، ليس فقط مع غير المسلمين، بل وبين بعضهم البعض. ولا أدل على ذلك مما نراه ونقرأه عن العدو الإيراني الشيعي في الصحف القومية، بدلا من تحليل توجهات السياسة الإيرانية التي قد تكون بالفعل ممثلة لخطر على النظم العربية، وهي توجهات سياسية ولا ينبغي أن تصبغ بصبغة دينية،  نشاهد هذا الانقسام أيضا من خلال ما يحدث في العراق من صراعات  طائفية ومحاولة للتصفية الجسدية من كل فريق للفريق الآخر. كما نلاحظه أيضا في تلك النعرات الطائفية التي تحاول إقصاء من لا يتدين بنفس الدين من عنصر المواطنة، وهو ما يمكن أن يتمخض عنه تفكك مجتمعي ينذر بكوارث محققة.  وأتصور أن هناك حاجة ملحة إلى تضافر علماء الدين مع علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا والسياسة من أجل إبداع فكري في تقديم الإسلام، وقد طرحت هذه الفكرة في ورقة قدمتها إلى مؤتمر دولي في الولايات المتحدة، ونشرت بعضا من أجزائها في مجلة "الكتب وجهات نظر" (عدد أكتوبر 2005) ، وهناك حاجة إلى تشجيع من الأزهر لمثل هذه النوعية من الأبحاث، إضافة إلى تغيير جذري في منهجية التعليم في تلك المؤسسة العريقة، يساعد على التخلص من طريفة التفكير ذات الاتجاه الأحادي.
القضية الثانية وهي منبثقة من القضية الأولى، وتتعلق بتلك الثنائية بين الإسلام والعلمانية أو الإسلام والعقلانية، وفي أحيان أخرى صاغها بعض المفكرين على أساس التناقض بين العقل والنقل، ويمكن صياغتها أيضا في العلاقة بين النص والواقع.  وأي محاولة لاختراق هذه الثنائية تثير زوبعة من الاستنكار، قد تذهب في بعض الأحيان إلى حد التكفير، كما حدث مع نصر حامد أبو زيد. ولا شك أن محاولة الاختراق أداة قد تذهب في إتجاهات متعددة، من الممكن أن تضر ببعض الثوابت العقائدية، ومع ذلك فلا مناص من ولوج هذا المجال الشائك، والسماح بتعدد الأراء والرؤي لنصل إلى تحرير العقل من الجمود، وهو ما دعا إليه الإسلام، ودعت إلى جميع الأديان. وتتعلق هذه القضية جزئيا بالمنظور التشريعي في الدول الإسلامية التي يدين معظمها أو كل مواطنيها بالإسلام. ذلك أنه تحت مقولة إتباع الشريعة، حدثت تجاوزات على مر التاريخ الإسلامي أصابت في مقتل بعض الحقوق الأساسية الإنسانية التي جاءت الرسالات لتؤكدها، ومنها حرية التعبير والعقيدة والمساواة بين الرجل والمرأة وغيرها.  ولا يمكن أن يكون هناك تشكيك في مقاصد الشريعة التي جاءت لتقيم العدل وتؤكد الحرية، ولكن إدعاء التطابق بين المقصد التشريعي وتطبيقه قد أوقف القدرة على أي محاولة للفكر الإبداعي أو النقدي لاستخراج تطبيقات أكثر تمشيا مع الواقع المتغير.  ولذا فإن الحركة الثقافية المنشودة على مستوى مصر والعالم الإسلامي بوجه خاص، هي حركة تحرر العقل من أغلال الأطر المغلقة، وأسر تقديس السابقين، وعدم القدرة على مواجهة فكرهم الذي لاينتمي إلى زماننا أو معارفنا الآنية. ويجب ملاحظة أن التعصب والجمود لا يشير إلى "الموضوع" الذي يتناوله العقل الإنساني، ولكن إلى منهجية هذا التناول. فكما يوجد جمود في الفكر الديني، فيوجد أيضا جمود في الفكر الذي يحسب نفسه على "العلمانية" أو الليبرالية أو الاشتراكية، أو أي مسمى مذهبي ، وذلك عندما يغلق هذا الفكر الباب تماما أمام أي رؤية مخالفة له، ولا يحاول أن يتفاعل معها، ليثري رؤيته أو يستخدمها ليتعرف على مواطن النقص والاختزال في اتجاهه. هذا هو المقصود بالحوار، الذي قد أصبح فارغا من مضمونه، عندما يلتقي الجمعان ليحاول كل منهما أن يقنع الآخر بوجهة نظره، بدلا من الاستماع إليه.   
إن الوعي الكوني الذي أخذ يتبلور في أكثر من ملمح لا ينتمي إلى حضارة بعينها، ولكنه ينتمي إلى مجمل الحضارات التي ينطلق منها، فهو تفاعل طبيعي تلقائي، ليس له مركزية في دولة أو ثقافة، لأنه وعي إنساني، يعلي من قيمة الإنسان التي أكدتها كل الحضارات على مر التاريخ، والتي انتقلت من مكان إلى آخر، وكلما ضعفت قيمة الإنسان في مكان، فإن هذا يؤدي إلى أفول الحضارة، لتبزغ القيمة في مكان آخر، فيبدأ ميلاد جديد.  ولكننا في هذه المنطقة نواجه تحديات عظمى، وفي حاجة إلى إعادة صياغة وبناء لفكرنا، ارتكازا على الأصول دون أن نسجن فيها، وانطلاقا إلى المستقبل مرتكزين  على دراسة متعمقة للحاضر. وعلى الرغم من كل التحديات والصعوبات التي يمكن أن تواجهنا، إلا أن الأمل لا ينبغي أن يخبو، طالما أن في مصر فكر مبدع متطلع دوما إلى النماء والبناء. 

Tuesday, June 29, 2010

هوامش على رؤية سيد ياسين المستقبلية د.علياء رافع


ارتبطت العولمة عند الكثيرين  بمحاولة هيمنة قوة أمريكا على مقدرات العالم، وإن كان الواقع لا يؤكد ذلك بشكل حاسم،  ولكن أيا ما كان الأمر فإن هناك رفضا واضحا من الشعوب يتحدى إذابة الشخصيات القومية والثقافات المتميزة، وقد نشأ عن هذا الرفض تطرف في إتجاه مضاد لإتجاه الذوبان الذي تفرضه العولمة، ولكنه يتعدي في بعض الأحيان حدود آليات الحفاظ على الهويات القومية إلى التطرف في التحيز الثقافي والتفوقع على الذات وعزل الآخر واتخاذه عدوا بالضرورة، وهذا الاتجاه  يظهر في نزعات طائفية ومذهبية وانتماءات قومية قد تذهب في تطرفها إلى حد تبدو فيه الروح القبلية أكثر بروزا.  ناقش مقال السيد ياسين في الأهرام (24 يونيو) هذا الموضوع  تجت عنوان عصر التناقضات الكبرى.
ويهمني أن أؤكد إضافة إلى ما قاله السيد ياسين إن  ما يحدث في العالم من تفتت، ليس مجرد رد فعل  للعولمة،  ولكنه ظاهرة تتنافي مع منطق الأشياء، إذ يبدو أن المجتمع الدولي يسير في خطتين متناقضين، ليس من السهولة الربط بينهما. نجد أن التفتت الثقافي والتشرذم الفكري لا يسير بشكل منظم أو سهل التفسير، إذ نجد أن البلد الواحد الذي ينتمي إلى تراث تاريخي متراكم، يحدث به تفكك غير مفهوم، ويتواجد على نفس الأرض عدد من السلوكيات والأفكار والانتماءات المختلفة بل والمتضادة في كثير من الأحيان، ويكفينا أن ننظر إلى أرض الكنانة، لنجد أن الشخصية المصرية التي استطاعت بشهادة المنظرين والمفكرين والدارسين أن تبتلع وتهضم العديد من لثقافات الوافدة وتمصرها، فتثريها وتضيفها إلى تراثها، قد كسرت هذه القاعدة، وأصبح المجتمع المصري يذخر بثقافات غريبة عليه، ويصبح تابعا لها، مغتربا عن نفسه،  ويكفي أن ننظر حولنا لنرى تصاعد عدد المتنقبات في الشارع المصري، وفي نفس الوقت وعلى خط نقيض تغير العادات والتقاليد في إتجاه الغرب، إذ أصبح من الأمور الطبيعية مصادقة الفتى للفتاة والانقياد نحو تقليد الثقافات الغربية في تخطي الحدود المعقوله لهذه العلاقة. هنا يصعب كثيرا تحليل هذا النتاقض الصارخ. إذا كان النقاب رمزا يعلن عن مقاومة التغريب بشكل متطرف، فكيف يمكن أن نفسر الاتجاه المضاد، الذي يخلق مجتمعا متغربا، داخل المجتمع.  وهذه الأمثلة هي قليل من كثير، مما يدعو الدارسين للولوج بعمق في التغيرات التي تحدث في المجتمع المصري، والتي تهدد تماسكه. ومن المثير للإنتباه إن ما يحدث في مجتمعنا يحدث في المجتمعات الأخرى أيضا، فلا عجب أن نجد أن الأنثروبولوجيين الأمريكيين أيضا يدرسون التغيرات التي حدثت على الشخصية الآمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر، وإنقسام المجتمع في توجهاته الفكرية وفي عدم القدرة على تحديد سمات للشخصية الأمريكية  (مثل ذلك البحث الذي قامت به تشريل ماتينجلي وآخرون  عن العلاقة بين ألأصول الإثنية والنوع الاجتماعي والشخصية الثقافية بعد حادث  الهجوم على المركز التجاري الأمريكي،  وذلك في المجلة الامريكية الأنثروبولوجية، الجزء 104، عدد 3.) 
وفي الوقت الذي تفتت فيه العالم، بل والبلد الواحد ثقافيا، تظهر المنظمات الاقتصادية الكبرى، والتكتلات الاقتصادية المختلفة، مع نمو متصاعد للشركات الكبرى العابرة للقوميات التي تتحرك بنظام خاص وينتشر نشاطها عنكبوتيا داخل العالم أجمع. وعلى صعيد ثالث نجد التكوينات الافتراضية أي التي تتحرك عن طريق الفضاء الإلكتروني تزداد عددا وقوة. وعلى سبيل المثال فإن تنظيم مثل تنظيم القاعدة، ليس له مركزية إدارية، ذلك أن تحريك خلايا هذا التنظيم لا يتم مركزيا،  ولكن يتميز بالمرونة التي تساعد عليها إستخدام الاتصالات الحديثة، والتي لا تستوجب أن يكون المخططون والمنفذون في نفس المكان، وبالتالي يصعب تحديد موقع ا التنظيم يمكن السيطرة عليه. وإذا أضفنا إلى هذا الزخم الافتراضي، عوالم المدونين الذين يكسبون أصدقاء ويكونون مجتمعات إفتراضية على مستوى العالم، يمكن أن تذهلنا هذه التغيرات غير المتوقع نتائجها أو اتجاهاتها. . 
إن هذا الإنفصال بين حركة رأس المال والبشر على النطاق العالمي، وبين  الفكر والأيديولوجيات، قد أوجد نوعا من الفوضى التي أصبحت ملمحا مميزا لما أصبح يطلق عليه ما بعد الحداثة. وقد تكون الطائفية التي تحدث عنها سيد ياسين هي بعض تجليات هذه الفوضى،  وهي حالة  لا تتوافق مع التوقعات التي صاحبت العولمة. ذلك أنه على المستوى النظري، فإن الاحتكاك الحضاري الناتج عن ثورة الاتصالات من ناحية، وتنقل المال والبشر  من ناحية أخرى  كان من المتوقع أن يحدث تقاربا فكريا وثقافيا بين أرجاء العالم.  وقد عبر سيد ياسين عن هذا بقوله في أحد كتبه التي نشرها في تسعينات القرن الماضي واقتبس منها في مقاله  "ستكون هناك محاولات للتوفيق بين الفردية والجماعية، وبين العلمانية والدين، ,‏ وبين عمومية مقولة الديمقراطية وخصوصية التطبيق في ضوء التاريخ الاجتماعي لكل قطر،  وبين الاستقلال الوطني والاعتماد المتبادل‏، وأهم من ذلك كله بين الأنا والآخر علي الصعيد الحضاري‏."  ولم يكن هذا حلما طوباويا، بقدر ما هو أمل ممكن التحقيق إذا توفرت بعض الشروط الأساسية التي لخصها المفكر الكبير في التالي: " التسامح الثقافي المبني علي مبدأ النسبية الثقافية في مواجهة العنصرية والمركزية الأوروبية‏,‏ والنسبية الفكرية بعد أن تنتصر علي الإطلاقية الإيديولوجية،‏ وإطلاق الطاقات الخلاقة للإنسان في سياقات ديمقراطية،‏ بعد الانتصار علي نظريات التشريط السيكولوجي والتي تقوم علي أساس محاولة صب الإنسان في قوالب جامدة باستخدام العلم والتكنولوجيا‏.‏ وإحياء المجتمع المدني في مواجهة الدولة التي غزت المجال العام‏،‏ ولم تترك إلا مساحة ضئيلة للمجال الخاص‏,‏ وأخيرا التوازن بين القيم المادية والقيم الروحية والإنسانية‏‏".
والواقع أن الأمل والطريق إلى تحقيقه واضح وجلي في فكر السيد ياسين، ولكن التعقيدات التي تحدث على الأرض أكثر ضخامة، ولا أحسب أن الأستاذ الكبير غافلا عن صعوبه تحقيق هذه السمات أو الشروط، ولكنني أريد أن أكمل ما قد بدأ ذلك أن  أن هذه الشروط أو السمات الأساسية لاتحدث في فراغ، ولكنها تتطلب سياقا أوسع لتنشيطها أو تحريكها من حيز الممكن إلى الخروج إلى أرض الواقع . وأحسب أنها يمكن أن تتحقق عندما تتحول المسلمات التي نشأ عليها علم الإنسان إلى ثقافة عامة. ذلك أنه إذا نظرنا إلى هذه السمات أو الشروط التي وضعها السيد ياسين، لوجدناها بعضها يشير إلى ما يمثل أساسيات علم الإنسان، الذي يدعو إلى إحترام تعددية الثقافات ومحاولة فهمها والتعامل معها، وهوما  ينتج عنه بالضرورة التخلى عن المطلقات أو بعبارة أصح عدم الإدعاء بالإحاطة بالحقيقة الكلية. ولا شك أن النظام التعليمي على المستوى العالمي يلعب دورا كبيرا في تأكيد هذه الثقافة، وبالتالي يمكن لكل إنسان أن يعيد تقييمه لثقافته وتطويرها من خلال التفاعل مع قيم وثقافات أخرى، دون أن يكون هناك أفضلية لثقافة أو حضارة على ثقافة أو حضارة أخرى.  
وأما السمات الأخرى التي وضعها السيد ياسين ليتحقق هذا التوافق المنشود، فإنها تتعلق من ناحية بالبيئة السياسية والثقافية التي يجب أن توفر الحرية الضرورية التي تفجر طاقات الإبداع دون خوف.  ومن ناحية أخرى فهي تتطلب تجديدا في رؤية الإنسان لنفسه، إذ أن التوازن بين القيم المادية والروحية الإنسانية، لا يتحقق إلا عندما ينزع الإنسان فتيل هذا الصراع الذي يضعه بين إرادة الله، وفطرة الإنسان، وبين السعي في الحياة، والعبادات بأنواعها، وهو صراع وهمي إذا ما أوغلنا بعمق في الرسالات الدينية وتراث الحكمة في مختلف الحضارات. والقضاء على هذه الصراعات تتطلب أيضا تضافرا عالميا. 
وإذا كان اليونسكو قد نشأ في أعقاب الحرب العالمية الثانية لتحقيق التقارب الثقافي والتعليمي بين البشر، فإن رسالته لن تكتمل ما لم يأخذ تلك المتغيرات التي أشرت إليها  في الحسبان، ويعيد صياغة أهدافه مرة أخرى، من أجل تعاون عالمي في مجال التعليم والعلوم والثقافة. وأتوجه للأستاذ سيد ياسين، خاصة وإلى مثقفي مصر ابتداءا، ليضعوا مشروعا ثقافيا تعليميا عالميا بالتعاون مع المفكرين الذين يعنون بالتقارب الحضاري من أجل السلام عى مستوى العالم أجمع ليبدءوا حركة عالمية ثقافية جديدة من اجل إعادة التوازن إلى تلك الفوضى غير المحكومة والتي قد تقود إلى هلاك محتوم للعالم أجمع.  نحن في حاجة إلى تخرج مثل هذه المقالات الجادة من حيز الورق والكتابة إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، وأول الغيث قطرة. 

Tuesday, June 22, 2010

أوباما بين الواقع والحلم د. علياء رافع

منذ عام وفي خطابه التاريخي في جامعة القاهرة تحدث أوباما عن رؤيته الآنية و المستقبلية، وأرسى على المستوى الديبلوماسي والفكري دعائم جيدة للعلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وبين العالم أجمع، خاصة مع العالم الإسلامي . وقد كانت ومازالت الرؤية التي قدمها الرئيس الأمريكي الأسمر نقطة تحول فكرية في الخطوط العريضة للديبلوماسية الأمريكية.  وفي نفس هذا الوقت من العام السابق كتبت مقالة في هذه الصفحة مستعرضة أربع نقاط رئيسية تمثل نقاط تغير في السياسة الأمريكية،  وهي تتمثل أولا في  إزالة الاستقطاب بين الشرق والغرب، وثانيا دعوة العالم إلى التجمع على قيم إنسانية عليا تتفق عليها جميع الحضارات وأزال بهذا خرافة صراع الحضارات، و ثالثا أكد أن التغير يبدأ بتنمية الإنسان عن طريق العلم والتعليم الجيد وأعلن إستعداد الولايات المتحدة الأمريكية على التعاون مع البلاد الإسلامية في هذا المجال ، ورابعا كان شجاعا في الاعتراف أن الفلسطينيين قد أخرجوا من وطنهم وأنه لا بد من التمسك بحل عادل لقضيتهم والإسراع بهذا الحل، ويتمثل في ضرورة إنشاء دولة فلسطينية على وجه السرعة جنبا إلى جنب مع دولة إسرائيل.  ولم تكن هذه النقاط إلا بعض من المحاور الهامة التي احتواها الخطاب، ولاشك أنه مع إعادة دراسة ما جاء في هذا الخطاب يمكن أن تسفر أي دراسة عن مزيد من التحليل والتأويل لما أعلنه أوباما.
نقف اليوم بعد عام من هذا الإعلان، لنجد أن الرجل هو الرجل، ولكننا لا نلمس لهذه الرؤية وجودا على أرض الواقع، خاصة فيما يتعلق بالمسألة الفلسطينية. فلقد إتضح بصورة لا تقبل الشك أن إسرائيل أكثر قوة في فرض إرادتها على الولايات المتحدة، وأنها لن تتنازل قيد أنملة عن مخططها في تحقيق أحلامها التي ندرك بعضها، وما خفي كان أعظم. فلم تستطع أقوى دولة في العالم  إثناء إسرائيل عن إستكمال بناء مستوطنات جديدة وخلق واقع جديد في القدس،  ولنلحظ أنه على الرغم من أن العالم أجمع قد أعلن غضبه على هجوم إسرائيل على السفينة "ألحرية" التي كانت تحمل المعونات الإنسانية إلى أهالي غزة، إلا أن أمريكا وقفت صامته بإدعاء إنتظار نتائج التحقيق، ولم يفزغها الهجوم غير الشرعي تبعا للقانون الدولي على سفينة مدنية لا تحمل سلاحا، كما لم يفزعها عدد القتلى والجرحي الأبرياء. لا شك أن هذا الموقف قد خذل الضمير الإنساني عامة، والعالم النامي المتطلع إلى الحرية على وجه خاص. أردت أن أبدا بهذه النقطة الهامة في هذا السياق، من أجل طرح السؤال الذي يعني به هذا المقال، ألا وهو الإشارة إلى حجم الفجوة التي توجد دائما بين الواقع والحلم. 
على غير ما يرى أو يظن البعض ممن إتهموا أوباما أنه يقول ما لايعني، وتنبأوا أن السياسة الأمريكية لن تتغير، فلقد كنت أثق في هذا الرجل وكلمته، ودائما فإن منهجي في الحياة، أن أصدق الآخرين إلى أن يثبت العكس. ومازلت أري أن هذا الرجل كان يعني ما يقول، وأنه أراد ويريد أن ينزغ فتيل العداء بين الفلسطينيين وبين الإسرائيليين، ويسعى إلى أن ينال كل ذي حق حقه، ولكن التمنى سهل، وأما تحويل الأمنية إلى الواقع فهو الجهاد بعينه.  ويعود فشل أوباما في تحقيق رؤيته لعدة أسباب، بعضها عام، وآخر خاص، وسأعالج بعضها كالتالي:  أولا يرجع فشل عامة أوباما إلى أن فكره كان سابقا لعصره، وعندما يجيء إنسان قبل أوانه تلاقي أفكاره مقاومة كبىري, على كل المستويات. ولهذا أغضب أوباما يهود أمريكا، ولم يرض المسلمين أيضا. وتشدد المسلمون والعرب إلى درجة أنهم أرادوا أن يجعله معبرا عن رؤيتهم ووجهة نظرهم، وأن أي اختلاف بينه وبينهم يعني لديهم أنه مخادع وغير صادق. وأما يهود أمريكا فإن جنونهم بأمن إسرائيل وسلامته، جعلهم يشعرون بخطورة سياسة هذا الرجل على الوجود الإسرائيلي نفسه. وفشل أوباما لأنه لم يتخذ من معاونيه من يؤمن بهذا الفكر.
ثانيا:  فرضت المصالح الإقتصادية والاستراتيجية نفسها على مستوى السياسة الخارجية، وأصبح واضحا أن هيمنة أمريكا وسيادتها على العالم يجب أن تستمر بنفس الصورة القديمة. ولذا فإن كلماته عن الحوار بدلا من الصراع بدت كلمات جوفاء في ظل محاولة فرض القوة العسكرية في أفغانستان، والإصرار على التحكم في تخصيب اليورانيوم في إيران، والتأكد من تبعية العراق للخط السياسي الأمريكي. وظهرت أهمية أفغانستان  بشكل خاص بعد إكتشاف الثروات المعدنية التي قدرت بتريليون من الدولارات، ومثل موقف أمريكا من القضية الفلسطينة فضيحة سياسة تشين الولايات المتحدة عندما تبين ضعفها أمام دولة صغيرة مثل إسرائيل، وهي الدولة الوحيدة التي فرضت إرادتها وتحدت أكبر دولة في العالم. وفي المقابل فإن إستعراض القوة مازال مستمرا،  وما زال مسلسل الهمينة الأمريكية مستمرا دون توقف، مخلفا وراءه حصادا جديدا من الكراهية.
ثالثا: بدت النزعة الإنسانية التي ميزت خطاب الرئيس الأمريكي قوية، ولكن لم ير لها واقعا ملموسا في ظل سياسة مازالت تحمل قيما مزدوجة، ومازلت تزن الأمور بمكيالين، وأما على مستوى السياسة الداخلية فإن هذه النزعة الإنسانية تطلبت  تدخل الدولة في قطاع الخدمات. و تم إستغلال هذه السياسة  من قبل الجمهوريين لتشويه صورة الرئيس. لأنه من وجهة نظر هؤلاء فإنه يتحدى المباديء الأساسية التي قامت عليها الولايات المتحدة، ويحول نظام الحكم إلى حكم مركزي سلطوي على المستوى الاقتصادي، ويحد من حركة رأس المال في السوق. وهذا الإدعاء وحده كفيل بأن يسحب من تحت أقدام الرئيس الكارزمي الشعبية التي ساندته حتي وصل إلى ما وصل إليه. وتجيء أهمية إدراك هذا الضعف الداخلي بالنسبة لنا،  لأنه سيؤدي بالضرورة إلى محاولة الرئيس لكسب شعبية له من خلال نجاح ما في مستوى السياسة الخارجية يعيد له الشعبية المفقودة. ولأن الشعب الأمريكي مازال يعيش في عالمه الخاص، ولا ينظر إلى ماوراء المحيطات التي تحيط به، فإن بناء صورة جيدة لأمريكا في العالم يصبح من أهم المنجازات التي يحاول أن يحققها الرئيس، حتى لا يدخل في محاولة فاشلة مسبقا لبيان أن سياسته الداخلية لا تتناقض مع المباديء الأمريكية.  ولكن هذا الحل هو أيضا معضل، لأن صورة الرئيس الأمريكي في العالم الإسلامي أصبحت صورة مهزوزة، وأما بالنسبة لشرق آسيا أوروبا، فإن العلاقة التي تربطهم بالولايات المتحدة هي علاقات تنافس وليست علاقات تضامن. ويبدو أنه لا مناص من أن يعيد نفس أسلوب تصعيد الخطر الخارجي، مبينا كيف تعمل الإدارة الأمريكية على مقاومة هذا الخطر. قد يختلف أسلوب هذا الرئيس عن سابقه، ولكن تتفق هنا وهناك الرؤية الإستراتيجية، وهو ما يعني أن أوباما سيستمر تطبيقيا في محو ما أعلنه نظريا.
وأخير وليس آخرا،  يظل التعاون العلمي بين الولايات المتحدة وبين العالم الإسلامي هو الهدف المنشود الذي يمكن تحقيقه، ولعل الأيام تفصح لنا عن ماذا تم في برنامج هذا التعاون.   
وما أريد أن أصل ليه بهذا العرض هو أن العالم قد يفقد إمكانية حقيقية للتغيير كان يمكن أن تؤدي إلى تحول في العلاقات الدولية، وأن هذا لا يرجع إلى خدعة قام بها رئيس أمريكي، ولكنه يرجع إلى ثقافة عامة في العالم، تريد في كل وقت أن تخلق "آخر" كي تحاربه وتقضي عليه، أو تستنزفه من أجل مصلحتها. ولقد قدم أوباما رؤية مختلفة متطلعة إلى تعاون دولي من أجل تحقيق أهداف إنسانية عامة في كل مكان على الأرض، مثل التعاون من أجل تخفيف حدة الفقر والاضطهاد والتهميش في العالم أجمع. كان أوباما متطلعا إلى تعاون ثقافي وعلمي بين الأمم يؤدي إلى التقارب والتفاهم، وشد أزر الدول الأكثر تقدما للدولة النامية. ووقعت أحلام أوباما صريعة على أرض الواقع، فهل من أمل في بعثها من جديد؟  أم أن تغيير الحال من المحال كما يقولون.  أزعم أن العالم في حاجة إلى مزيد من التأهيل الثقافي لهذه الرؤية ، وأننا يجب أن ننشيء أبناءنا ليؤمنوا بأن الكل إنسان وأن بعضنا من بعض.  نريد أن يتضامن العالم من أقصاه إلى أقصاه من أجل التوجه لأهداف مشتركة لخير البشرية بدون تمييز، إنه حلمنا وحلم أوباما الذي يجب أن يكون لنا دور في تحقيقه.  

Tuesday, June 8, 2010

كيف يمكن أن ندفع إسرائيل للكشف عن وجهها القبيح: د. علياء رافع


لقد هزت حادثة الإعتداء على أسطول "الحرية" الضمير العالمي من أقصاه إلى أقصاه، على الرغم من الموقف السلبي الذي أبدته الولايات المتحدة الأمريكية، والتصريح المستفز الذي ألقاه بايدن بكل بجاحة "إسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها"، ثم خيبة الأمل في الرئيس أوباما الذي رفض أن يدين إسرائيل، منتظرا التحقيق في ملابسات الحادث.
 في وسط هذا الخضم من الغضب العالمي شعبيا ورسميا، كنت أمسك أنفاسي، وأدعو الله ألا ترتكب حماس، أو أي تنظيم متشدد آخر فعلا، يأخذ الأنظار بعيدا عن هذا التعنت الإسرائيلي. وإذا بي أفاجأ بحادث القرصنة في الصومال،  وعلى الرغم من أن هذا الحادث يمكن إستغلاله إعلاميا في الإشارة إلى أن الهجوم على السفن ليس عملا إسرائيليا منفردا، إلا أنه أهون من أن يكون هناك عمل تفجير قنابل في أماكن مدنية في إسرائيل، أو إرسال تلك الصواريخ التي لا تصل  أبدا إلى أي هدف عسكري، ولا تؤدي غرضا، إلا إثارة الوحش الإسرائيلي المتربص بالقضاء على الفلسطينيين آجلا أو عاجلا، وإعطائه التبرير لأفعال العنف والإرهاب والإبادة.
وتختلف هذه الحادثة عن أي حوادث أخرى في أن المصابين فيها ليسوا "عربا" ، وإنما ينتمون إلى المجتمع الدولي بمختلف جنسياته، ولذا فإن التصريحات المهاجمة لإسرائيل صدرت من كل أنحاء العالم في صورة رائعة. والسؤال الذي أطرحه هو كيف يمكن أن يستغل الفلسطينيون هذه الحالة من الغضب على إسرائيل من أجل قضيتهم؟ وما الذي يمكن أن تقوم به السياسة العربية في هذا الوقت الحرج؟
لقد عبرت عن رؤيتي في أكثر من مناسبة وفي العديد من السياقات، ألا وهي أنه كلما إزداد العرب تماسكا، وقدرة على طرح قضية الفلسطينيين بدون إظهار عداء للدولة اليهودية،  كلما ساعد ذلك  الرأي العام العالمي في قدرته على وضوح الرؤية، وأنا على يقين أن السلاح القاتل للعنصرية الصهيونية، هو نزع فتيل العداء الذي تنفث به السياسة الإسرائيلية في الشعب اليهودي، بكل الطرق الممكنة، موغلة صدره ضد كل الجيران العرب، مصورة له أن هؤلاء وحوش يتربصون بهم كي يقضوا عليهم ويتخلصوا منهم.  وللأسف فإن الكثيرين من المتشددين مازالوا يرون أن القضاء على إسرائيل ورجوع جميع اللاجئين المطرودين عام 1948 إلى أرضهم هو الهدف الكبير الذي يجب أن يتمسك به الفلسطينيون. هكذا وبكل وضوح يعلن قادة حماس في كل مناسبة، ثم يطلبون بعد هذا الإعلان هدنة مع عدوهم. وينسون إن مثل هذا التصريحات تفتح للعدو بابا لإستعطاف العالم معه، ولتحفيز المواطنين الإسرائيليين على إنتهاج موقف عدائي من العرب.
أتصور أن السياسة العربية يجب أن تسير في خطين متوازيين، الخط الأول يستوحي إستراتيجياته من إستشراف طويل المدى للمستقبل، وقد يكون هذا الإستشراف أو هذه الرؤية حلما يبدو الآن وفي ظل الظروف الراهنية غير ممكن التحقيق – ولكن من كان يصدق أن أحلام هرتزل في إنشاء دولة لليهود في فلسطين كان ممكنا -  تتمثل هذه الرؤية في زوال دولة صهيونية قائمة على أساس ديني، وقيام دولة مدنية ينعم فيها الفلسطينيون ومن يطلق عليهم إسرائيليون اليوم بكل حقوق المواطنة والحرية ويعيشون معا في سلام. ولكن قد يكون الطريق إلى ذلك هو قبول إنشاء دولة فلسطينية جنيا إلى جنب مع دولة إسرائيل، لأن هذا هو الحل الأكثر ملاءمة للوضع الراهن. ويصبح السؤال هو كيف يمكن أن يقود هذا الحل إلى الوضع الآخر؟
أعتقد أن العرب والفلسطيينيين في حاجة إلى تغيير جذري في طريقة التفكير، ينبثق من التعاطف الإنساني لحقوق البشر في كل مكان، ومن ثم لا يصبح الإسرائيليون الذي ولدوا وتربوا على هذه الأرض أعداء مباشرين للعرب والفلسطينيين، ولكن تتوجه السياسة العربية إلى تحويلهم من أعداء إلى نصراء. وهذا ليس مستحيلا كما يبدو لأول وهلة، فهناك بعض الإسرائيليين وإن قل عددهم، وكثير من اليهود حول العالم، ينفرون من السياسة الإرهابية التي تمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين، وعلى سبيل المثال فإن مؤسسات يهودية في أمريكا مثل جمعية تايكون، أعلنت تضامنها مع ضحايا الأسطول، ولامت إسرائيل على هذا العمل، ودعت ممثلين من جميع الأديان من أجل الصلاة على روح الضحايا.  تحتاج مثل هذ الجمعيات إلى تدعيم معنوي، حتي يمكن أن تكون ذات أثر على الرأي العام الأمريكي عامة، ,على اليهود في العالم بشكل خاص. وحركة السلام الآن Peace now Movement التي ولدت بعد معاهدة كامب دافيد،  وحركة المرأة ذات الرداء الأسود Women in Black ، ,قد ولدت الحركتان داخل إسرائيل، أضعفتها الأحداث التي توالت على العالم العربي، خاصة بعد الإعتداء العراقي على الكويت، وتدعيم الفلسطينيين لصدام، وأيضا نجاح حماس وحصولها على شعبية، مكنتها من الصعود إلى الحكم.  ولذا فإن هناك حاجة إلى ضخ مزيد من الثقة بين المواطنين الإسرائيليين في أن العرب لا يريدوا أن ينتقموا منهم، ولكنهم يريدون أن يعيشوا في آمان، وهو نفس المطلب لأي شعب بما فيه الشعب الإسرائيلي. وقد يكون هذا الإتجاه غير مجدي بالنسبة للعقلية العنصرية الصهيونية، ولكن إذا كان تكوين إسرائيل نفسها قائما على الفكر الصهيوني، فليس معنى هذا أن تغيير هذا الفكر في الأجيال الشابة مستحيل.
أما الخط الثاني الذي يجب أن تسير فيه البلاد العربية – بما فيهم الفلسطينيون – فهو التضامن في حركة شاملة  من أجل منع الدولة الصهيونية من خلق واقع جديد على الأرض. وإذا لزم الأمر فإن وقفات احتجاجية متوالية في كل العالم العربي والإسلامي، وبين كل الشعوب المحبة للعدل والسلام  في حاجة إلى سياسة عربية وإسلامية نشطة، من أجل أن يصبح صوت الحق مسموعا، وأهداف الحركة واضحة، أي أن يكون المطلوب هو إيقاف بناء أي مستوطنات جديدة في أي بقعة على أرض فلسطين، وذلك تمهيدا لمفاوضات سلام تحقق العدل لكل من الشعبين. ويجنح بي الخيال فأري شعب مصر يزحف إلى سيناء: ملايين البشريقفون على حدود الدولة الصهيونية منادين بأناشيد السلام، والعدل لشعب فلسطين، وبنداء لشعب إسرائيل أن يقف ضد الساسة من أجل الأمن والأمان للجميع. ويحدث نفس الشيء على حدود سويا والأردن. إنه زحف من أجل السلام وليس من أجل الحرب والقضاء على الشعب الإسرائيلي. إذا كانت هذه الوسيلة السلمية هي أحد الوسائل إلا أنها ليست الوسيلة الوحيدة، فيجب أن يكون هناك تعاون ديبلوماسي عربي وإسلامي يدعم هذه الرؤية، وفي الوقت نفس إستخدام كل ما يمكن إستخدامه من قوى إقتصادية في هذه المنطقة من أجل إظهار جدية المطالب الفلسطينينة.  ولكن السؤال الشائك هو كيف يمكن أن يحدث هذا في ظل إنقسام فلسطيني، ينتشر خارج المجتمع الفلسطيني إلى المجتمع العربي والإسلامي؟  إن هذا الإنقسام هو الذي يضعف الموقف الفلسطيني، ولا شك أن مصر – بقدرها المحتوم – عليها دور هام في تغيير ذلك الموقف على الصعيد الفلسطيني، والعربي والإسلامي. ولقد هزني وأسعدني أن الشعب المصري قد ترك ليعبر عن غضبه مما حدث في كل أنحاء مصر، تبعا لما نشرته الجرائد المصرية.
لا تحتاج إسرائيل إلى كثير من الجهد حتى يبرز وجهها القبيح، تحتاج فقط لوقت لا يشتت فيه العرب جهدهم، ولا يقوم المتشددين بأعمالهم الصبيانية غير المجدية، وبتصريحاتهم غير المسئولة.  وأنتظر بكل الأمل أن يصل الأسطول الثاني إلى غزة متحديا ما أرادت أن تبثه إسرائيل من الرعب، حتي لا يجرؤ أحد على الوقوف أمام حصارها البشع لغزة.  إن إستمرار التصميم على مساعدة  أبرياء عزل من البشر ضد حرب الإبادة التي تمارسها إسرائيل، سيزيد من غضبها ومجونها، وكشف أنيابها التي تحرص على إخفائها من خلال إسقاط صورتها على العرب، خاصة الفلسطينيين. وأدعو الله ألا يقوم متهورون هنا أو هناك بأعمال هوجاء، تساعدوا إسرائيل على إخفاء وجهها القبيح تحت قناع الدفاع عن النفس.