Tuesday, September 13, 2011

تصحيح المسار بين الأمل وإحباطه د. علياء رافع


كان يوم الجمعة 9 سبتمبر يوما قد ذكر الكثيرين بالأيام العصيبة والجميلة في نفس الوقت لثورة 25 يناير، عبر الشعب فيه عن نفسه ومطالبه العادلة التي يكمن أهمها من وجهة نظري في عدم محاكمة المدنيين عسكريا.   ومر اليوم بسلام إلى أن إتجه بعضهم إلى وزارة الداخلية، والأخرون إلى السفارة الإسرائيلية. وهنا أصبحت الأحداث مثيرة للشجن. ولم أصدق نفسي وأنا أنظر إلى تكسير الحائط الكبير الذي أقيم أمام السفارة الإسرائيلية دون أن يكون هناك شرطي واحد أمني أو عسكري، وتساءلت أين ذهبت المدرعات التي كانت تقف أمام السفارة من قبل، هل أراد الجيش أن يفتح الأبواب أمام المتظاهرين كي يعبروا عن سخطهم دون أي وجود له؟  وهل هذا أمر مقبول أو معفول أن تترك سفارة مثل السفارة الإسرائيلية بدون حراسة في هذا اليوم بالذات؟  هل الخلل هنا يرجع إلى  الجماهير الثائرة التي لم تتمالك زمام الأمر؟ أم يرجع إلى المؤسسة الحاكمة التي لم تقم بما ينبغي أن تقوم به في مثل هذه الأحوال؟  أم إلى الإثنين معا.  قد يرى البعض أن تكسير الحائط هو تعبير عن غضب شعبي ضد كل من إسرائيل والحكومة والمجلس العسكري الذين لم يتصرفوا التصرف اللائق لكرامة الجنود المصريين الذين قتلوا على الحدود. وعندما أقول هذا فلا يعني أن يؤل هذا الكلام في سياق أنه سيؤدي إلى عدم الإلتزام بمعاهدة السلام مع إسرائيل، أو أنه تصعيد إستفزازي للدولة الصهيونية.  إن ما حدث من الحكومة التركية على سبيل المثال يعطينا نموذجا لتعامل حضاري يسير مع كل القوانين الدولية، ولكنه يعطي لتركيا قوة ومكانة في المجتمع الدولي. إذن سخط المصريين له ما يبرره،  ولكن ما لا يمكن تبريره هو أن يترك التعبير عن الغضب بهذه العشوائية.  وإهانة كرامة المصري لم تعد أمرا مقبولا، ولذا فلت زمام الغضب الذي أنتج أعمالا هوجاء.
بعد ذلك بقليل وعندما توجهت الجماهير إلى أمن الجيزة، بدأت الشرطة تظهر مرة واحدة، وتمارس عنفا غير مقبول، فتتسبب القنابل المسيلة للدموع في مقتل أحد   المواطنين  نتيجة للإختناق، ويبلغ عدد المصابين مائتين وستة عشر مصاب، وهو عدد كبير. وبعد ذلك إذا بالسيد أوباما الذي لم يتحرك ساكنا عندما قتل ثمانية من الجنود المصريين نتيجة إختراق قوات إسرائيلية الحدود المصرية في تحدي صارخ للسيادة المصرية،  بشهادة القوات الدولية. ولا ندري لماذا يتدخل السيد أوباما في هذا الحدث بالذات وهل هو المتحدث الرسمي نيابة عن إسرائيل؟  إن هذا الموقف الغريب، وهذا الإهتمام الزائد من الحكومة الإسرائيلية  يثير تساؤلات أكثر غموضا.
ويمكن القول أنه من خلال غموض التساؤل تكمن الإجابة، عندما لا يوجد أي مبرر أن ينسحب الأمن والشرطة العسكرية من أمام السفارة الإسرائيلية، فإن الرسالة المضمنة هو تشجيع المتظاهرين على التعبير عن مشاعرهم الغاضبة.  ويبدو هذا تعليلا جميلا يدل على إنحياز القوى الحاكمة للشعب، وإتاحة فرصة له للتعبير عن نفسه. ولكن أقل ما يقال فيه أنه تصرف غير حكيم، لأنه كان ينبغي أن تكون قوى الأمن ترعي وتراقب تحركات الجماهير حتي لا تحدث هذه التصرفات الهوجاء.  ولكن عندما تضرب قوى الأمن الجماهير الغاضبة المتوجهة إلى أمن الجيزة، يقع الفرض الأول، وتبرز فروض أخرى، لا تجد لها إجابات إلا من خلال أسئلة جديدة، مثل لماذا تصرف جمهور التحرير بنفس الأخلاق الحضارية العالية، والتوجه السلمي المحترم، ثم إذا خرجت المظاهرات من ذلك النطاق إلى نطاق آخر، يبدو وكأن المصريين خارج التحرير ليسوا هم المصريين داخل التحرير، هل نحن شعبان أم شعب واحد؟ وعند هذا التساؤل تبرز الإجابة الواضحة، وهو أنه لاشك أنه داخل  التحرير حيث يوجد إحكام من اللجان الشعبية في مراقبة الداخلين، وحيث يتحرك النشطاء السياسيين في كل إتجاه ليحافظوا على السلمية، وحيث أن الغالبية العظمي تجيء إستجابة للدعوة وليس من أجل الشغب، فإن السلوكيات العامة تكون رائعة، أما عندما تخرج فئات قليلة متحمسة أو غاضبة، فإن الفرصة تكون سانحة لدخول عناصر – لا يدري أحد هويتها أو مصدرها –  وهي بالتأكيد تريد أن تشوه صورة التظاهر والمتظاهرين، كما أنها تأتي  بأفعال غوغائية تسحب الإنتباه من المظاهرات السلمية.  
والقضية هي من هو صاحب المصلحة في إثارة هذه الفتن؟ سنجد أن هناك أكثر من مصدر، أحدها فقط هو "الفلول"، ولكن الفلول قد تكون كلمة عامة تشمل ليس فقط أنصار النظام السابق أو المتضررين من الثورة بالضرورة، ولكنها قد تشمل أيضا مراكز قيادية – مجهولة الهوية أو معلومة الهوية – في النظام الحالي، ولكنها لسبب أو آخر لا تريد أن تكتمل هذه الثورة لأن في إكتمالها ستضرب هؤلاء القيادات في مقتل.
هل سنجني من هذه الإفتراضات أي عائد؟ لن يستطيع أحد أن يجزم بأن ما يصل إليه التحليل صائبا بالضرورة، وكذلك من الصعب حتي لو كان في ذهن من يكتب أو يحلل بعض الأسماء أو بعض القوى، أن نثبت تدخلها في تلك الأحداث – إلا إذا أراد الله أن يفضح هذه القوى  فيخرجها عن الحذر ويتيح للشعب أن يعرف ويثبت هويتها – ولذا فإن قيمة هذا التساؤلات تكمن فقط في مقاومة كل محاولة لتشويه الشعب المصري العظيم والنبيل، والدفاع عن حق هذا الشعب في التعبير عن نفسه بالصورة السلمية التي صاحبت مسيرته في تلك الثورة الرائعة. ومن ناحية أخرى فإنه تقع على كل واحد منا مسئولة الحفاظ على الصورة الحضارية للتظاهر ، ولقد أدركنا أن الغضب النبيل وليس الغضب الأهوج هو الكفيل أن يصل بنا إلى أهدافنا وغايتنا.
لقد خرجت هذه المظاهرة تعبيرا عن الإرادة الشعبية في الحفاظ على أهداف الثورة وأهمها الحرية والكرامة الإنسانية، ولا يمكن أن تتحقق هذه المطالب في ظل محاكمات عسكرية لآلاف من المواطنين، بينما البلطجية الحقيقيون يسيرون في الآرض ويعيثوا فيها الفساد. ولذا فإن مطلب محاكمة المدنيين محاكمة مدنية حق من حقوق الإنسان والمواطنة، ولا بد للمجلس العسكري الحاكم أن ينصاع لمطالب الجماهير.  لا يوجد عاقل في هذا الوطن يتمنى أن تحدث ثورة ضد المجلس العسكري،  ولكن لا يعني هذا أن يعمل المجلس على زيادة هذه المسافة بين مطالب الثورة وسياسة المجلس، ذلك أن أي محاولة لإعادة إنتاج النظام القديم ستبوء بالفشل. لقد أصبح تاريخ 25 يناير تاريخا فاصلا، بدأ به بعث جديد للشعب المصري الذي سيرفض بكل إصرار أن يهزه إرهاب الدولة.  ويحيرني بالفعل أن المجلس العسكري يسير في إتجاه معاكس لما يريده الشعب، ولو أنه أخذ طريق الثورة منذ البداية، أي أنه أدرك أن هناك ثورة حقيقية وليس مجرد حركة إصلاحية لنظام مهلهل، لنال قادة المجلس شعبية غير مسبوقة في التاريخ المصري، بل لا أستبعد أن الشعب كان سيصر على أن يقود المجلس العسكري المرحلة القادمة بالكامل، تحت دستور يتيح أن يتسلم المدنيون الحكم بعد ذلك. وقد لا أكون من الذين يشجعوا هذه الرؤية، ولكن شعب مصر شعب طيب ويحفظ الجميل، ويعطي الكثير عندما يثق في قيادته.  لماذا لم يأخذ المجلس العسكري هذه الفرصة الذهبية، إنني وغيري متحيرون بالفعل.
وأما أحداث السفارة الإسرائيلية فلا شك أنه سيكون لها عواقب وخيمة، كان من الممكن تجنبها، لو أن قوات الأمن كانت حاضرة لتمنع هدم الجدار العازل الذي كان يتم تحت مسمع ومرأي من الجيش والأمن. هل تصعيد التوتر بيننا وبين إسرائيل أمر مقصود؟ وما هي الأهداف من وراء هذا التوتر؟  إنها أسئلة تكمن الإجابة في غموضها. ولنترك الأحداث تشرح بدلا من الكلمات. ولا يملك الإنسان في هذه الحال إلا أن يتوجه إلى الله القوي العزيز أن يحمي مصر وشعبها من كل سوء،  وأن يظل الأمل دافعا لنا كي نضغط جميعا نحو تحقيق أهداف هذه الثورة. إن الله سميع مجيب. 

Tuesday, September 6, 2011

هل يعني إسقاط النظام تحطيم البلاد د. علياء رافع


إعتدت أن أقول في محاضراتي أن المجلس القومي للمرأة والمركز القومي لحقوق الإنسان مشروعان هامان وجيدان للغاية، ولكن الشبهة الوحيدة التي تحيط بهما أنهما شبه حكوميين ولا يمكن أن ينتسب  القاضي ورافع الدعوة إلى مؤسسة واحدة. ولا حاجة إلى الشرح، فالآمر واضح جدا. ومن ناحية أخرى فإن هذين المجلسين يمثلان محاولة لسيطرة الأسرة الحاكمة على النشاط المدني بشكل فج للغاية. فكيف يمكن للجمعيات والمؤسسات المعنية بحقوق المرأة أن تعمل بكامل كفاءتها وهي تقع في منافسة مع رأس الدولة. وكيف لمجلس حقوقي للإنسان أن يدافع عمن تهدر الدولة حقوقهم، وهو مقيد بتبعيته للدولة؟
وعلى مستوى آخر، فلقد كنت معجبة للغاية بمشروع القراءة للجميع، والمكتبات المتنقلة التي كانت تذهب إلى مناطق نائية، وتشجع على القراءة والبحث، وهذا أمر هام للغاية من أجل توسيع الأفاق، ونشأت الوحدات الصحية لتقدم خدمات جليلة في مجال الأسرة والطفل، بدءا من صحة الأم ووسائل تنظيم النسل إلى التطعيمات المختلفة التي كانت تقدم مجانيا وبكفاءة عالية للغاية. وكان مشروع المائة مدرسة مشروعا جيدا، إشتركت فيه كثيرات من سيدات فاضلات وكن سعيدات بهذا الدور الذي جعلهن على صلة حميمية بقطاعات كبيرة من المجتمع الذين لا خيار لهم إلا أن يكون أبناؤهم في مدارس حكومية، وكان لا بد لهذه المدارس من أن تنهض على مستوى البناء التحتي والمستوى التعليمي، وأصبحت المشاركة المجتمعية التطوعية  التي يقدمها هؤلاء السيدات عاملا رائعا في التضامن. وسعدت أيضا بمشروع الفصل الواحد للفتيات الذي شجع الريفيات على تعويض ما ضاع منهن من فرص في التعليم، وبدا الأمل يداعب خيالهن مرة أخرى.
حقا أطاحت الثورة بالنظام السابق المستبد، والذي عشنا تحت ظله ثلاثين عاما، فسرق منا العمر ولكنه لم يجهض الأمل إلى أن جاءت الثورة تنشد الحرية والكرامة الإنسانية، وإستطاع هذا الشعب أن يسقط رؤس هذا النظام، ويجهض مشروع التوريث الذي  كنا نسير فيها مرغمين، خاصة عندما تقاعست الأحزاب الكرتونية عن أداء دورها الوطني عن طريق التجمع والإلتفاف والتكاتف من أجل إيقافه.
 وبعد هذه النجاحات العظيمة، وقفت متأملة ما يحدث في المجتمع اليوم، وينتابني الفزع عندما يخلط الكثيرون بين إسقاط النظام وبين بعض المشروعات الناجحة التي ترأسها أفراد عائلة الرئيس المخلوع، والذين  أنشأوها ولم يكونوا مهتمين بمصلحة الوطن بقدرإهتمامهم بإثبات وجودهم وفرض سيطرتهم.  حقا وضعت الأسرة الحاكمة تجميل صورتها وفرض سيطرتها على أولويات برامجها. وحقا تم الصرف المبالغ فيه من أجل الدعاية لهذه المشروعات والتي كان من الأولى أن تصرف على هذه المشروعات نفسها أوغيرها. والسؤال هو هل يعني إسقاطنا للنظام أن نقضي على تلك المشروعات؟  وجود الأسرة الحاكمة على رأس هذه المشروعات لا يبرر التوقف عن إستكمال أدوارها الخدمية والتنموية التي كانت تقوم بها، وقد يصاحب هذا تعديل في اللائجة الداخلية لبعض المؤسسات ، مثل التعديل الذي يجب أن يحدث للمركز القومي للمرأة والمركز القومي لحقوق الإنسان. إذ ينبغي أن ينالا إستقلالهما تماما من الإشراف الحكومي.  ولا بد أن تستمر الخدمات الأخرى في إستقلالية وأن تصبح جزا لا يتجزأ من النشاط المدني الذي أعتبره الأساس في الإنطلاقة القادمة.   وأما مهرجان القراءة للجميع فيحب أن يستمر دون بذخ في الدعاية، وتعليم الفتيات الريفيات بدون تقيد بالسن فكرة إنسانية في غاية الأهمية، وكذلك مشروع المائة مدرسة، وغيرها إذا وجد.
وبنفس القدر ولنفس الأسباب، أي أن تكون مصلحة الوطن هي العليا، علينا أن نقيم ما حدث في العهد السابق من ناحية الإيحابيات، ودراسة السلبيات والتخلص منها. ليس من المعقول أنه على مدى ثلاثين عاما لم تكن هناك برامج سياسية وإقتصادية وخدمية ناجحة. هناك مواطنون شرفاء كانوا يحفرون في الصخر من أجل دفع عجلة التقدم إلى الأمام، وعلى الرغم من سقطات د. يوسف والي وإستعانته بالعديد ممن خانوا العهد والأمانة، إلا أن ما تحقق في مجالا إستصلاح الأراضي، والبحوث الزراعية، وإستنباط سلالات جديدة عالية الإنتاج في القمح وغيره، وإنشاء مراكز علمية متميزة تابعة لوزارة الزراعية أخذت دور الريادة على مستوى الشرق الأوسط، إن لم يكن على مستوى عالمي، كل هذا قد تحقق في العهد البائد، مثل مركز الهندسة الوراثية ومركز الخبيرفي مجال الكمبيوتر.  حقا فجرت قضية يوسف عبد الرحمن غضبا عارما، خاصة بعد أن سبقتها ولحقت بها قضايا فساد أخرى، ولكن هل ينفي هذا ما تحقق في هذا القطاع من تقدم مشهود، لا ينسب للدكتور يوسف والي، ولكنه ينسب إلى من قاموا بهذا الإنجازات، وكان وزير الزراعة في ذلك الوقت جزءا من هذا الجهد، فيحب أن نعطيه حقه في ذكر إنجازاته، ونلوم عليه فعلا في إستعانته بثلة فاسدة مسحت كل ما أتي به من إيجابيات. و لابد أن نذكر أنه في مجال الإقتصاد عندما عصفت الأزمة الإقتصادية التي مرت بها الولايات المتحدة بكثيرمن الدول وسببت إنهيارات في بعضها، فإن مصر خرجت من هذه الأزمة بسلام، وكان هذا بفضل المجموعة الإقتصادية التي أدارت الإقتصاد بمهارة وعلم.  وينتابني القلق اليوم عندما أجد أن جامعة النيل على وشك الإنهيار، لا لسبب إلا أن إسمها إرتبط بإسم رئيس الوزراء السابق في العهد البائد، بينما هي مشروع قيم قطع شوطا كبيرا في تأسيس صرح علمي، وجمع كثيرا من شبابنا المتميزين في هيئة التدريس، وجذب أساتذة مصريين كبار من مختلف أنحاء العالم. وإذا بهذا المجهود يذهب هباء، لأن هناك مشروعا آخر للدكتور أحمد زويل. أجد في  تحطيم هذا الصرح مهزلة لا أفهمها.  في كل الأحوال لا يصح أن نبدأ في كل شيء من الصفر، متجاهلين ما تم من قبل، ففي هذا إهدار للجهد وللوقت
ما أود أن أشير إليه تلخيصا هو أن سقوط نظام لا يعني سقوط دولة، ولا يعني أنه لم تتم إنجازات في العهد البائد. ولكن على مستوى التقييم الكلي، يمكن القول أن ما تحقق لمصر أقل بكثير من إمكانيات ما كان يمكن تحقيقه، وأن زرع الفساد في كل مكان نتج عنه مرض إستشرى في أنحاء البلاد، وإن معالجته ستأخذ وقتا، ولكن هل نهدم الخلايا الصحية ونحن نقضي على المرض الخبيث؟  أخشى أن نهدم المنزل تماما ظنا أن هذا هو الإختيار الأفضل، فلا يبقي لنا إلا الأطلال، ونهدرجهودا رائعة قام بها مواطنون مخلصون. نحن في حاجة إلى قول كلمة الحق لا نخشى فيها لومة لائم، وعندما نتجرد من الهوى ومن كراهية الأشخاص، يمكن أن نفكر من أجل غاية أكبر وهدف أعظم.
ونرجو ألا نعود إلى ذلك العهد مرة أخرى، تحت أسماء جديدة. نعم لقد تحسن المناخ العام، ولكن مازالت هناك بعض الممارسات المقلقة، ويقف على رأسها محاكمة المدنيين عسكريا، وتلك الأعداد المهولة المتواجدة في السجون العسكرية، وغيرها من الإحباطات، ولكن لا يقف المصريون مكتوفي الأيدي، ولا بد أن يتعلم الجميع الدرس.
وأقول إن من إستطاع أن يبني في عهد كان يحارب الإنجاز، ومن إخترق الصعاب مناضلا ومكافحا، هؤلاء الجنود المجهلون هم الذين حافظوا على حياة  مصر . نعم إن بلدنا الحبيب مازال يتنفس ويعيش لأن أبناءه لم يفرطوا فيه، وآلوا على أنفسهم أن يجاهدوا قدر الإستطاعة كل في مكانه في أحلك الأوقات، وسيظل أبناء مصر يعملون ويبنون ويشيدون، وستبدأ مصر صحفة عظيمة في تاريخها، ولهؤلاء الذين ندين لهم بالفضل لأنهم بنوا وعمروا في أصعب الأوقات ولشباب المستقبل الذي فجر ثورة عظيمة، والذي سييبني مصر المستقبل، أتقدم إليها بتحية تقدير وإحترام.   

Tuesday, August 23, 2011

قضية أسماء محفوظ وأزمة الحرية د. علياء رافع


أخذت أستعيد ما حدث في ثورة الخامس والعشرين من خلال ما كتبت، وما كتب آخرون عن هذه الثورة، وبينما كنت أتصفح مقالا للدكتور عماد جاد في كتاب عن ثورة 25 يناير صادرا عن مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية، أدهشني أن إدارة ما كان يحدث أثناء الثورة يتماثل إلى حد كبير مع إدارة ما يحدث الآن.
بعد سبعة أشهر من هذا الحدث الزلزال، الذي جمع المصريين حول هدف واحد "إسقاط النظام"،  نجد أن ما تحقق على الأرض كثير. ولكن الإنقسامات في الشارع المصري تراكمت وتفاقمت منذ أن أعلن المجلس العسكري تصميمه على تعديلات  لدستور فقد شرعيته بقيام الثورة،  وكان الإصرار على الإستفتاء على تلك التعديلات بداية لإنقسام واسع في الشارع المصري، والأدهش من ذلك أن أحد أعضاء المجلس العسكري وهو اللواء حسن الرويني إعتبر أن نتيجة الإستفتاء التي خرجت بالموافقة على التعديلات كانت تعبيرا عن تأييد الشعب لتولى المجلس الأعلى العسكري مقاليد البلاد. وهذه العبارة على قدر غموضها، فهي عبارة في غاية الخطورة، لأن الجيش عندما ساند الثورة وحماها، فإن الشعب كله هتف قائلا "الشعب والجيش إيد واحدة"، وأتصور أن المجلس العسكري كان يمكن أن تجتاج شعبيته الأفاق إذا ما كان أكثر تلبية لمطالب الثورة من اليوم الأول، وبدءا من إقالة وزارة حلفت اليمين أمام رئيس مخلوع. وما يزعج المرء بحق أن اللواء الرويني أكد أن الجيش لم يكن مجرد حاميا للثورة، وإنما هو السلطة السيادية التي شاركت فيها. ووقفت أمام هذه العبارة طويلا، وأدركت  مغزاها أخيرا أن الرويني يريد أن يقول "إتركوا الجيش يحكم بما يرى أنه في صالح البلاد دون تدخل" ، وهي عبارة تتناغم  مع الطلب المستمر بالثقة في المجلس الأعلى العسكري وعدم التشكيك فيه. ويعيدنا هذا إلى تذكر تلك الوصاية الأبوية التي كنا نعاني منها في عهد مبارك، وأنه رمز الأمة، ولا يجوز أن يوجه إليه أي نقد. وعلى نفس الغرار فإن أي نقد يوجه إلى ممارسات المجلس الأعلى، فإنه يؤخد على أنه نقد موجه إلى القوات المسلحة بأكملها. بهذا المنطق الترويعي، فإن أي نقد يصبح خارجا عن نطاق المسموح به.
وأما على مستوى القوى السياسية، فلقد تفتت الشمل، وتعددت الأهداف وتصارعت وتناقضت. وفي خضم هذا الصراع السياسي، حدثت بلبلة في تقييم ما يحدث على مستوى  الشارع المصري، وتصور البعض أن المعتصمين في ماسبيرو أولا ثم التحرير بعد ذلك فريق يريد أن يحدث فوضى. ولم يلتفت هؤلاء إلى أن التباطؤ في محاكمة المسئولين عن أحداث 28 يناير وقتل المتظاهرين لم تأخذ العناية الواجبة، وبالتالي فإن أهل الشهداء قرروا أن يعتصموا في ماسبيرو أولا، ثم تحركوا إلى التحرير بعد أحداث 28 يونيو المؤسفة عندما إختلط البلطجية بالأهالي، وقاموا بأعمال عنف، قد تكون بطبيعتها قد أدت إلى إثارة مشاعر المعتصمين والمتظاهرين، ودفعتهم إلى هتافات مضادة للإدارة العسكرية، والتظاهر أمام وزارة الداخلية. وقوبل هذا بعنف من الشرطة التي ظهرت بكثافة وإستخدمت القنابل المسيلة للدموع، ويقال أنه كان هناك إستخدام أيضا للأعيرة المطاطية، وتم إعتقال أعداد كبيرة من المتواجدين في هذا المكان. وقام الإعلام بدوره المعهود في توجيه الرأي العام ضد هؤلاء المعتصمين الذين قيل عنهم أنهم مثيرو الشغب والفوضى.  ثم جاء التحرك نحو وزارة الدفاع في 22 و 23 يوليو لتحفيز المجلس العسكري الحاكم للإستجابة لمطالب الثورة عامة، ولأهالي الشهداء على وجه خاص. ووجد المتظاهرين أنفسهم محاصرين في العباسية عند مسجد النور بين صفوف من الشرطة العسكرية وقفت حاجزا حتي لا يتموا مسيرتهم إلى الوزارة، وبين الأمن المركزي، بينما أخذ أهالي العباسية وبعض البلطجية في ضرب المتظاهرين من أعالي العمارات بالملتوف والطوب. وتضاربت الأقوال والروايات مما زاد البلبلة وضبابية الرؤية. وبلغ الأمر أن يتهم الرويني المتظاهرين أنهم كانوا مبيتي النية على إستخدام العنف.
وتطور الأمر مؤخرا عندما أصبح الجيش يقف في ميدان التحرير منعا لأي تجمع داخل الميدان، بينما تتواجد سيارات الأمن المركزي بأعداد غفيرة في صورة إستفزازية للغاية، وكأن هناك معركة ما توشك على الإندلاع، وذلك على الرغم من أنه على مدار السبع أشهر كلها، كان المتظاهرون سلميين, وأكثر من هذا فلقد أثبت الشعب المصري أنه على درجة عالية من التحضر والوعي، عندما تكونت تلك اللجان الشعبية بعد الفراغ الأمني المذهل والمروع بعد يوم 28 يناير لتحافظ على الأمن والإستقرار.  
لم تكن إسماء محفوظ بدعا من الشباب الذين تم القبض عليهم ومحاكمتهم محاكمة عسكرية، ولكن لأنها من الناشطات المعروفات، واللائي إرتبط إسمهن ببدايات الثورة، فإن إحالتها إلى المساءلة العسكرية، أشعل فتيلا من الغضب بين الشباب الثائر، إلى حد الإضراب عن الطعام.  ولكن ومع إختلافي في أسلوب أسماء في تعبيرها عن رأيها، فإن عقابها بأي صورة فيه تعدي على حرية الرأي، وإذا علمنا أن هناك آخرون كثيرون مجهولو العدد متعقلين أو مقبوض عليهم للمحاكمة، لأصبحت الحرية التي قامت من أجلها الثورة كلمة جوفاء لا معنى لها في هذا المجتمع الذي يجذبنا بشدة إلى حال ما قبل الثورة، ولكن هيهات.  
وأخير جاءت إلينا أحداث سيناء لتوجه النظر إلى خطورة وجود عدو متربص بنا، مازال الموقف غامضا، ولكن أشعر أن هناك تصعيدا لهذا الحدث، مما سيؤثر سلبا على الإنتباه والتركيز في الإنتخابات القادمة.
يجعلنا الجو العام بصورة مباشرة أو غير مباشرة نقارن بين ما كان يحدث قبل وبعد الثورة، إذن لماذا سالت هذه الدماء ؟ ولماذا كانت هناك ثورة؟  ما لا يستوعبه الكثيرون، خاصة من يديرون شئون البلاد أن ثورة 25 يناير بداية لروح جديدة بعثت في مصر،  ويوم فارق لما قبله. ولن يمكن السيطرة على هذا الشعب مرة أخرى. وحتى مع تلك الفرقة والشتات، فإن إستمرار سياسة الجزرة والعصي ستكشف للناس كما كشفت من قبل إن ما يريده الشعب حرية وديمقراطية حقيقية وليست شعارات وهمية، ومهادنة من هنا وضرب وترويع من هناك.
لم يكن ما قالته أسماء في التويتر سوى تعبير عن وجهة نظر، وليس تحريضا بأي معنى من المعاني، كما أن كلماتها التي نددت في بالمجلس العسكري أثناء موقعة العباسية، خرجت في  لحظة حرجة، وهي ترى حياتها وحياة المتظاهرين في خطر. ولا نفهم لماذا هذاالحصار لمتظاهرين سلميين، وتحويل المشهد كله إلى إشتراك في تراشق بالحجارة. إن تصريحات اللواء الرويني وإتهام حركة 6 إبريل بأنها تعمل على إثارة الفتنة بين الشعب والجيش، فيه إفتراء على حركة وطنية إستطاعت أن تقف في وجه الطغيان في أحلك اللحظات، وهو ما يجعلني أتمنى أن يكون رأيه معبرا عن نفسه، وليس عن باقي أعضاء المجلس العسكري، فهو يذكرنا تماما بنفس الأسلوب الذي تعودنا عليه قبلا.
عندما إنتهيت من قراء ما كتب د. عماد جاد، وجدت أنه فصل يمكن أن يكتب اليوم عما يحدث بالفعل الآن: التهوين من قوة المتظاهرين- تكليف القوات الأمنية بالتعامل معهم (القبض عليهم على أنهم مثيرون للشغب وأنهم بطلجية) – إستخدام نظرية المؤامرة (تلقي أموال من الخارج – إنهيار المتظاهرين الخلقي – أنظر قصة الروينى على المعتصمين في ميدان التحرير) – ترويع الشعب بمختلف الوسائل (الإدعاء أن الإنهيار الإقتصادي تراجع السياحة نتاج للمظاهرات – الفتن الطائفية المتوالية التي أقل ما يقال بشأنها أن هناك تخاذلا أمنيا في إحتوائها) - تضارب بين تصريحات الشخصيات العسكرية داخل المجلس العسكري، بين من نشعر أنه يؤيد الثورة بحق، وبين من يشكك في وطنية أصحابها، وهو ما يجعلنا نشعر أن هناك صراعا ما غير منظور.  وأخيرا فيجب أن ندافع كلنا على حرية التعبير وحرية التظاهر  وأن ندفع بكل الطرق السلمية الممكنة نحو تحقيق أهداف الثورة، دون أن نطالب بإسقاط المجلس العسكري، ذلك أن البديل سيكون مريعا ومرعبا وفي غير صالح هذا الوطن. وأقول للواء الرويني أن من أسقط الدولة – ليسوا الثوار – ولكنه النظام السابق عندما سحب الأمن وأشعل الحرائق في كل مكان، وفتح السجون وأشعل الفوضى وترك الحدود بدون حراسة.  ولم تكن حركة 6 إبريل أو غيرها من الحركات الوطنية مسئولة عن هذا الإنهيار. حفظ الله مصر من كل سوء. 

Tuesday, August 16, 2011

الإخوان المسلمون : الأفكار والمواقف د. علياء رافع


دارت مناقشة حادة بيني وبين أحد الأكاديمين المرموقين عن الإخوان المسلمين والتيار الديني، كان هجومه ضد الإخوان شديدا، وكان موقفه مني غاضبا،  لأنني حاولت أن أفرق بين الفكر والموقف، بين السياسة والتدين، وبين تسييس الدين والدين بإعتباره منهج شامل لحياة الإنسان. ودهشت أن هذه التفرقة ليس واضحة في عقول الكثيرين، حتى بين هؤلاء الذين حصلوا على أعلى الدرجات العلمية.  
قام الإخوان المسلمين بخطوات إيجابية في نقدهم لفكرهم، وتطويره، وكثيرون منهم أقتربوا كثيرا من الفكر الليبرالي الحر، أو الإشتراكي المستنير على ما بين الإتجاهين من مسافة أيديولوجية واسعة. سنجد إخواني مثل د. عبد المنعم أبو الفتوح لا يتحرج من أن يطلق على نفسه أنه إخواني ليبرالي، وفي نفس الوقت يميل إلى ذلك الجانب الإنساني في الإشتراكية من حيث أنه يجد أنها تتفق مع الإسلام في إنحيازها للفقراء. هكذا حاولت أن أعبر عن رأيي،  وما كدت أنهي عبارتي، حتي قوبلت بقدر هائل من الهجوم على ما أقول، إذ أن صديقي العالم قد أغضبه أن أثني على هذا الإتجاه، وكأنني بذلك قد قمت بجريمة لا تغتفر. وكان ثائرا لأنه كان يرى أن الإخوان المسلمين لا يتحدثون بما يؤمنون به، وأن نيتهم غير خالصة، و.... و... وأخذ يعدد ويضرب الأمثلة بمواقفهم المتناقضة.
ولم أختلف معه كثيرا عن تلك المواقف المتناقضة، وكلنا يعلم ماذا فعل الإخوان عند الإستفتاء على التعديلات الدستورية، وكيف وزعوا بعض المواد التموينية في محاولة لإستمالة الجمهور لإختيار "نعم"، هذا بالإضافة إلى أن البعض منهم قد ربط في أذهان العامة علاقة غير حقيقية بين الموافقة على التعديلات وبين تأكيد أهمية مباديء الشريعة في إصدار قوانين البلاد. وفي الحقيقة أن مهما حاول البعض منهم إنكار هذه الممارسات، إلا أن الواقع يشهد بها.
وكذلك أتفقت مع محدثي فيما يتعلق بذلك البيان الذي أصدرته الجماعة قبل جمعة الغضب الثانية التي كان مقررا لها يوم 27 مايو الماضي، تلك التظاهرة التي  كانت تستهدف الإعتراض على بطء الإجراءات الخاصة بتحقيق أهداف الثورة وعلى رأسها محاكمة رموز النظام السابق. وبالفعل كانت مظاهرة مليونية إتسمت بالسلمية. ولكن بيان الإخوان كان إستفزازيا بالفعل إذ نص على أن  الدعوة على فعالية جديدة لا تعني إلا أحد أمرين، الأول أنها ثورة ضد الشعب أو أغلبيته الواضحة، والثاني أنها وقيعة بين الشعب وقواته المسلحة وقيادتها الممثلة في المجلس الأعلى. وبهذا البيان فإن قيادات الإخوان فصلت نفسها عن التيار الرئيسي للثورة، في محاولة واضحة للتودد للمجلس العسكري. وهو ما دعا البعض إلى تصور أن هناك إتفاق مبرم بين الجانبين. ولسنا في حاجة إلى الخوض في مثل هذه التكهنات لأنه لا يوجد دليل عليها. ولكن الواضح أن الإخوان كانوا يتطلعون إلى مكاسب سياسية على حساب التيار الثوري. لماذا أختلفت إذن مع صديقي؟
إنصب إختلافي على أننا يمكن أن نناقش الفكر مناقشة موضوعية خالصة، ومن ناحية أخرى، فعلينا أن ندرك أن كثيرين ممن ينتمون إلى هذا الجماعة قد توافقوا مع هذا الفكر، وهم يدعون إليه، وفي هذا مكسب ثقافي للمجتمع بشكل عام.  كنت أتحدث عن الفكر الذي يقدمه بعض الإخوان إنطلاقا مما يقولونه بالفعل من أنه ليس هناك دولة دينية في الإسلام، وأن التعامل مع النص هو تعامل إنساني، ولا يستطيع إنسان أيا ما كان موقعه أن يزعم أن رأيه أو رؤيته أو تفسيره لأي نص ديني إنما يعبر عن الإرادة والمقصد الإلهي. وأعتقد أن هذه القفزة على المستوى الفكري يمكن أن تشجع الكثيرين على التوافق مع الفكر "الديني" للإخوان، والذي أصبح يقترب إلى حد كبير مع فكر المستنيرين من رموز الفكر الإسلامي على مر العصور.
 ومن هنا تكون هذه الجماعة مثل أي جماعة سياسية أخرى نابعة من ثقافة هذا المجتمع  وتدينه وإحترامه للأديان عامة، وللإسلام خاصة متوافقة مع الفكر العام في الإتجاه نحو إحترام مباديء الشريعة الإسلامية. لأن هذا الإحترام لا يعني أن تستأثر جماعة بالقول أنها ذات مرجعية دينية، ولا تتخذ من غير المسلمين أعداء. وعلى الرغم من هذه الميزة المكتسبة للجماعة، إلا أنها في نفس الوقت تنزع تميزها، ذلك أن طبيعة المجتمع المصري ترفض بشدة أي إتجاه نحو إستبعاد المرجعية الدينية، وبالتالي فإن أي حزب لن ينكر أهمية مباديء الشريعة الإسلامية في صياغة الدستور، ومن ثم التشريعات القانونية، ويصبح الإختلاف في التعامل مع الفقه قديما وحديثا مصدر إثراء وتقدم، وليس مصدر تجمد وتخلف. وإنطلاقا من هذا التوجه تصبح النتيجة الطبيعية هي أن تذوب هذه الجماعة في الإطار العام للمجتمع، وتشترك في قواه الوطنية بإعتبارها أحد المكونات الفكرية (ليست بالضرورة متميزة على مستوى تمسكها بالإسلام لأن المجتمع كله يتمسك بالمرجعية الإسلامية)
وأعتقد أن أي حزب أو جماعة فكرية تريد أن تضع مباديء الشريعة جانبا وتنطلق فقط من التجربة الإنسانية كما هو الحال في تركيا مثلا، لن يكتب لها النجاح في المجتمع المصري، بل ولن يمكن أن تتكون أصلا. وحتى من يطلق عليهم أنهم علمانيون فإن نقدهم للتيار الديني ينصب على فكرة واحدة وهي أنهم لا يريدون أن يٌستخدم الدين في القضاء على الحرية الفكرية، أو يؤثر على حقوق المواطنة، وهم يخشون أن يكون هناك قمع خفي بإسم الدين، وهو ما حدث في الواقع في كثير من البلاد التي قالت إنها تتخذ من الشريعة مصدرا أساسيا للتشريع وتنظيم المجتمع مثل إيران، والسعودية والسودان، وباكستان. وسينكسر هذا التخوف عندما يصبح هناك مرونة دون تفريط في الإسترشاد بالمباديء الأساسية للشريعة، والإتجاه نحو تفهم المقاصد وراء الأحكام التي جاء بها النص، والتي لايمكن القول أنها قطعية الدلالة بشكل مطلق، خاصة عندما نخرج من النص إلى التطبيق.
أزعم أن كثيرين من شباب الإخوان قد إنجذبوا إلى هذه الصياغة المعدلة الواضحة من فكر الإخوان المسلمين، لأنها تتناسب مع التعددية الفكري حتى داخل إطار التفسيرات الدينية، ولأنها تتناسب مع طموح هذا الشباب إلى الحرية وعدم قهره فكريا. كذلك فإن هذا الموقف الفكري يضع الإخوان في إتجاه مخالف تماما لإتجاه السلفيين الذي يصرون على أن هناك أمورا واضحا وأحكاما قطعية بصورة مطلقة، ولا يقبلون أي تأويل أو تعديل في الفهم والتفسير والملاءمة بين الواقع المتغير المتزايد في تعقيداته، وبين النص. إذن من الممكن أن ينتشر الإخوان المسلمون على نطاق واسع في المجتمع المصري، ويصبحون قوة تساعد على حيوية الإختلاف الفقهي وقبوله. وقد يهيء لهم هذا الإنتشار الفكري قوة سياسية تدعم أحزابهم المتعددة. وفي هذه الحالة أستطيع أن أقول أنه لن يصبح هناك تخوف من أن تأخذ هذه الجماعة مركزا مرموقا في الإنتخابات القادمة، إذا هي التزمت بما تقول، ولكن هل ستلتزم؟  
يجيء التخوف مما ظهر من سلوكيات القيادة وإدارتها لمواقفها في هذه المرحلة، وهذا اللعب السياسي الذي ظهر يتناقض في الواقع مع خلق الإسلام ومبادئه، وبالتالي فإنه يمكن أن يهدد بتفسخ هذه الجماعة وتدهور شعبيتها. إذن أنا لم أختلف مع صديقي في أنه يجب أن نأخذ جانب الحذر عند التعامل مع جماعة الإخوان من المنظور السياسي، وذلك إنطلاقا من مواقفها المتناقضة مع ما تعلنه،  ولكنني إختلفت معه في أن نحكم على كل المنتسبين إليها بأنهم مراوغون.  
ولكن الأهم من ذلك كله أنه علينا أن نفرق بين "الفكر" ونكون موضوعيين في مناقشته، وبين ملاحظة سلوكيات جماعة سياسية والإلتفاف حولها أو الإنفضاض عنها. ويذكرنا هذا بالنظام السابق الذي كان يرفع شعارات الإنحياز إلى ذوي الدخل المحدود، بينما كل السياسات الإقتصادية والتعليمية والممارسات على أرض الواقع تغلق الطريق نحو حراك إجتماعي صاعد، ولهذا قامت الثورة، ليس ضد الشعارات المعلنة، ولكن ضد الممارسات القمعية. ولهذا فإن قيادات الإخوان تكون قد حفرت لنفسها طريق إنهيار الجماعة من داخلها، إذا ما إستمرت في هذا التناقض بين القول والفعل، لأن من سيؤمنون بالفكر الذي تقدمه الجماعة، سيدركون أن هناك خللا ما في تطبيقه عندما يغلب تسييس الدين على إتباع الصدق والشفافية والبحث الدائم عن الفهم الأفضل دون الإدعاء بالإمساك بالحقيقة المطلقة. لم أكن إذن مدافعة عن جماعة الإخوان بإعتبارها جماعة سياسية، ولكنني كنت أرحب بتغير فكري، كنت أتمنى أن تلتزم به الجماعة، وإذا إلتزمت به حقا لأعطت لنفسها مسمى آخر، لأنها لن تكون "جماعة الإخوان المسلمين" في مجتمع غالبته مسلمين، ومرجعية أفراد هذا المجتمع هو المباديء الأساسية للشريعة الإسلامية، وهي الشريعة التي لا تفرق بين مواطن وآخر على أساس الدين. إنها تلك المباديء التي قامت عليها حضارة عظيمة، والتي جعلت مكرم عبيد الوطني القبطي لا يتحرج من القول أنه مسيحي الديانة، ومسلم الثقافة. 

Tuesday, August 9, 2011

خلط الأوراق وخلط المفاهيم د. علياء رافع


لعل النفوس قد هدأت وهي ترى مبارك في المحكمة مع ولديه ومعاونيه، وثبت أن علانية المحاكمة إستطاعت أن تعطي للشعب المصري ثقة في أن الأمور تسير سيرها الصحيح. وعلى الرغم من ذلك فإن الطريق مازال طويلا حتي تحقق الثورة أهدافها. وقد ولد هذا المشهد التاريخي مشاعر متضاربة بين الجمهور المصري، وأشار إلى نبل هذا الشعب وطبيعته السمحة، إذ هزني أب من أباء الشهداء في برنامج آخر كلام وهو يقول أن نفسه قد إطمنت بعد رؤيته لمبارك في المحكمة، ولكنه إنسانيا لم يكن يود أن يراه مريضا. هكذا تجاوز هذا الأب ذاته الصغيرة، وتخلص من مشاعر الإنتقام، وفي نفس الوقت فهو لم ولن يتخلى عن قضية إبنه الذي قتل، وضرورة معاقبة الظالمين القتلي. وأحسب أن الكثيرين حتى ممن زج بهم مبارك في السجون، فإنهم يريدون أن يروا العدالة قائمة، ولكن ليس لديهم شماته، أو فرحة خفية وهم يرون ضعفه الفيزيقي والنفسي.
ولكن البعض خوفا من خلق أي نوع من التعاطف مع هذا القاتل أو هؤلاء القتلة، فإنهم يصرخون قائلين لا تنسوا كم التعذيب الذي رآه المصريون في المعتقلات والسجون، ولا تغفلوا عن الشهداء الذين قتلوا بغير ذنب إلا أنهم نادوا بالحرية والكرامة الإنسانية،  لاتنسوا أن هذا الرئيس إستكثر أن يكن لهؤلاء المواطنين  صوت يعلو فأمر بقتلهم. لا تنسوا إنسحاب الأمن المريب، وتحطيم السجون ليخرج المجرمون يرعبون الآمنين في خطة دنيئة لإضعاف المظاهرات. حقا يجب ألا ننسى تلك اللحظات الدامية، وهذا التاريخ الخانق.  ويجب كذلك ألا ننسى يوم 12 فبراير حيث إستطعنا أن نستشق طعم الحرية في يوم بديع بكل المقاييس، وحيث خرج الجمهور المصري الثائر ينظف الشوارع والميادين، في حميمية بالغة، معبرا عن عودته إلى بلده وعودة بلده إليه. ولهذا فإن محاكمة الرئيس جاءت في سياق محاسبة من أراد أن يكمم أفواه هذا الشعب ليورث الحكم لولده من بعده. وسواء كان مبارك مريضا أم عفيا، فهذا أمر جانبي تماما. ولأننا لا يجب أن ننسي ما قاسيناه، فلن يستمر أسلوب مبارك في حكم مصر مرة أخرى. لأن محاكمة مبارك هي محاكمة نظام بأكمله وليس مجرد قصاص من شخص أخطأ خطأ جسيما في حق شعبه.
لن يقبل هذا الشعب الحرية المنقوصة التي تعطي على قدر التهدئة، ثم تستمر في سياسة القمع، ولهذا فإن الذين يقولون إن إعتصام أهالي الشهداء في ميدان التحرير أدى إلى الفوضي، أو الذين رأوا أن السير إلى وزارة الدفاع هجوم على المجلس الأعلى العسكري، فهم غير قادرين على تفهم ما حدث للمصريين بعد 25 يناير. لأن هذه الثورة خلقت عند كل مصري إرادة وتصميم من أجل بلوغ ما يراه صوابا وحقا من حقوقه. ولذا فعندما تُرك أهالي الشهداء في الميدان شهرا بأكمله دون أدنى إحترام لمشاعرهم، كان لا بد أن يلجأوا إلى نوع ما من التصعيد. كانت المظاهرة سلمية وقد يكون البعض قد إنقاد إلى مشاعره الثائرة الغاضبة، فأخذ يردد شعارات ضد المجلس العسكري، وهو ما لا أتفق معه،  ولكن المظاهرة في مجملها كانت من أجل لفت نظر المجلس االعسطري لحق الشهداء، ووضع مزيد من الضغط عليه للإستجابة.
على قدر ما تبدو الأمور في غاية الوضوح لي ولغيري من الكتاب مثل علاء الأسواني وبلال فضل، على قدر ما يدهشني أنها ليست بهذا الوضوح عند الكثيرين الذين بدأوا يستنكرون المظاهرات والإعتصامات.  يكون خلط الأوراق مربكا، عندما يرى كاتب بقامة فاروق جويدة أن ما حدث يوم الجمعة 29 يوليو وهي جمعة الإسلاميين رد فعل للصوت العالي لمن يقولون أنه ليبراليون، يصبح الأمر جد خطير (الأهرام 5 أغسطس). ونكون قد جاوبنا الصواب تماما عندما تتساوى مظاهرات 8 يوليو في تلقائيتها ومطالبها العادلة، مع جمعة 29 يوليو التي بدأت فيها تجمعات غير تلقائية، وكان واضحا أنها قامت على إستجلاب الجماهير من كافة أنحاء مصر. وتكون الفتنة قد وصلت إلى أهدافها عندما يغمض علينا أن جماعات السلفيين والجماعة الإسلامية على وجه خاص، وجماعة الإخوان المسلمين بوجه خاص قد نقضوا عهدهم في جمعة وحدة الصف ولم الشمل، وبدلا من الإلتفاف حول المطالب المشتركة كما صرحوا، أعلنوها حربا على "الجاهلية" التي تبدو أنها أي فريق لا يتبع فكرهم.
ولا يصح أن نقول أن شعار "الدولة المدنية"  يتناقض على الإطلاق مع شعار دولة تتبع مباديء الشريعة الإسلامية، فالإسلام لم يعرف إلا الدولة المدنية، ولم يكن حتى رسول الله (صلعم) حاكما يمثل السلطة الإلهية في الأرض، لقد كان يقبل إستشارة صحبه، ويستفاد من تجارب قوم آخرين، مثلما حدث في غزوة الخندق التي جاء التخطيط لها بعد مشورة سلمان الفارسي. ومباديء الشريعة الإسلامية تؤكد جوهر الدين الحنيف الرحب الذي جعله الله سبحانه وتعالى رحمة للعالمين، وليس تقييدا وحجرا على حريتهم وفكرهم، وطلبهم لتحسين أسلوب حياتهم.
يتكرر المشهد مرة أخرى بنفس الألفاظ من أستاذ جليل في الطب النفسي هو د. أحمد عكاشة، وكان ضيفا في برنامج آخر كلام للإعلامي الرائع يسري فودة. وتحدث د. عكاشة عن صوت التحرير العالي الذي يريد أن يفرض رأيه، وعدم قبول الرأي الآخر. وتذكرنا هذه العبارات بما كان يقال عن الثائرين في الثمانية عشر يوما الأولى للثورة، إنها نفس الجمل ونفس الألفاظ. وكأن المطالبة بالعدالة تحتمل أن يكون هناك رأيان، أو أن الحفاظ على كرامة المواطن المصري وعدم الإستهانة به وإذلاله قضية قابلة للمناقشة. وشعرت أنني أضرب في مقتل عندما سمعت عبارات رائعة أومن بها بل وأقولها ولكنها تستخدم في غير سياقها، حيث يقول د. عكاشة أن الحب هو أساس العلاقات جميعها وأن من خلاله يمكن أن يتسع بعضنا للبعض، ولكن هذه العبارات قيلت في سياق حديث د. علاء الأسواني تعليقا على فيديو، يقوم فيه أحد ضباط الشرطة الذي يرتدي رداء مدنيا بضرب أحد المدنيين من المواطنين البسطاء، ويقبل شخص آخر قد عقد عزمه على توجيه مزيد من الإهانة والضرب للمواطن المسكين، ويبدو واضحا أنه لم يكتف باللكمات البسيطة، ولكنه لجأ إلى الركل، كل هذا على مرأي المشاهد، بينما يتحدث د. احمد عكاشة معلقا بهذه الكلمات التي ليس مكانها أو مجالها أن تقال في هذا السياق. إن الحب هو الذي يجعلنا لا نقبل أن يهان مصري، وهو الذي يجعل الحياة غيرذات قيمة إذا لم نتماسك معا لنبلغ غايتنا.
لا أريد أن أبدو مثل النعام الذي يضع رأسه في الرمال، نعم هناك أفراد أو تجمعات تريد أن تزايد على الثورة، وتستغل المناخ الحر في إشعال الفوضى، وهناك حاقدون يريدون أن ينتقموا من أي إنسان ناجح بوضعه إفتعالا وكأنه من أركان النظام السابق، وهناك من العلمانيين أو الليبراليين وكذلك من تيارات تسييس الإسلام من يتنازع على السلطة والقوة، ولكن التيار العام في مصر هو التيار الثوري الإيجابي، وسيقع هؤلاء عندما يستمر مناخ الحرية غير المنقوصة، وعندما نكون قادرين على التمييز بين الخبيث والطيب، وما قلته ما هو إلا قليل من كثير في هذا الوقت العصيب الذي أصبحت فيه حرب الكلمات أعتى الحروب.     

Tuesday, August 2, 2011

بداية إنكسار تيارات تسييس الإسلام د.علياء رافع


إنتشرت خيبة الأمل بعد جمعة ووحدة الصف، ولم الشمل وتأكيد الإرادة الشعبية التي دعت إليها تيارات الإسلام السياسي متمثلة في الإخوان المسلمين، والجماعات الإسلامية والسلفيين. ولقد بدأت هذه التيارات دعوتها، موضحة أن الهدف الرئيسي هو الإذعان للإرادة الشعبية وعدم الإلتفاف حولها. وشرحت أن الإلتفاف حول الإرادة الشعبية يتمثل في التفكير حول كتابة دستور قبل الإنتخابات، شارحة أن طرح هذه القضية في حد ذاتها غير منطقي لأن الموافقة على التعديلات الدستورية قد جعل كتابة الدستور لاحقة للإنتخابات، ومنبثقة من إختيارات مجلسي الشعب والشورى للجنة التأسيسية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إنها إستخلصوا من هذه الرؤية أن محاولة كتابة أي وثيقة لمباديء فوق دستورية، أو حاكمة أو أي تحت مسمى آخر، هو إلتفاف حول الإرادة الشعبية، لأنها ستوجه الشكل الذي سيكتب به الدستور الجديد قبل إنتخابات ممثلة للشعب.
وعلى أية حال فإن مثل هذه الرؤية لها منطقها، ولها مسبباتها، وإن كان هناك كثيرون لا يتفقون مع هذا التيار في هذه الرؤية، وقد سبق لي مرارا وتكرارا أن وضحت أن إجراء الإستفتاء في حد ذاته على تعديلات دستورية، تعني أن دستور 1971 لم يسقط، ومجرد قبول التعديلات يعني أنه قد أعيد للحياة مرة أخرى، ويصبح تولي المجلس الأعلى العسكري غير دستوري من هذا المنطلق، ولذا فإنني أفهم الآن منطق إصدار الإعلان الدستوري الذي أتي بعد الإستفتاء مباشرة، إذ أن الإكتفاء بالتعديلات الدستورية يشير إلى أن الدستور القديم قد عاد إلى الحياة، ويصبح من المنطقي أن يترك المجلس الأعلى مهام رئيس الجمهورية.  ولذا فقد بدت لي القصة برمتها – مع أنني لست قانونية – لا معنى لها. ولا أستطيع حتى الآن أن أتفهم لماذا لم نبدأ مباشرة في كتابة دستور جديد، أو إستخدام دستور 1954 الذي أجمع فقهاء الدستور والنخبة على أنه دستور جيد، وإعتباره دستور مؤقت، أو حتي الإكتفاء ببيان المجلس الأعلى العسكري الذي وضع فيه مباديء دستورية أساسية هي بمثابة إعلان دستوري إلى أن يتم تشكيل اللجنة التأسيسية على مهل.
أصبح هذا الجدل غير ذي جدوى الآن، ولكن القوى السياسية والنخبة أرادوا أن يتداركوا كثيرا من المخاطر التي يمكن أن تؤدي إليها حالة عدم الإستقرار، وما يمكن أن ينشأ عنها من صراعات سياسية غير ضرورية، ولذا فكانت فكرة الوثيقة هي أحد الأفكار المطروحة على الساحة، والتي رفضها التيار الإسلامي خوفا من أن تتضمن مباديء لا تتماشى مع أهدافه، على الرغم من أن مجال الإشتراك في كتابة هذه الوثيقة كان مفتوحا للجميع. وهذا من حقه، ومن حقه كذلك محاولة تجميع الجماهير على رؤيته. ولذا فإنه أراد أن يظهر أن رؤيته لها تأييد شعبي من خلال الدعوة إلى مظاهرة في يوم الجمعة 29 يوليو، وأطلق عليها مسميات مختلفة ولكنها تدور حول إستنكار أن تكون هناك وثيقة مباديء دستورية، والتي أراد بها أيضا أن يثبت الولاء للمجلس الأعلى العسكري الحاكم. وكأنه بهذه الدعوة يريد أن يرسل رسالة إلى القوى السياسية المختلفة أنها لا تحمل من الولاء ما يحمله التيار الإسلامي، ومن ناحية أخرى فإنه يوجد المبرر كي يرفض المجلس العسكري وثيقة المباديء الدستورية، ويسير في الإتجاه الذي سبق أن وضعه.  
وحتى يحدث هذا التجمع، كان هناك إختياران أمام التيارات الإسلامية، إما أن يختاروا مكانا آخر غير التحرير، وإما أن يخلوا الميدان ليكون حكرا لهم، ويبين قوتهم في الشارع المصري. ولا شك أن الإختيار الأول لم يطرح أساسا، ذلك أن التحرير أصبح رمزا للثورة، وأرادوا هم أن يكون المكان رمزا لقوتهم الشعبية. وفي ظل ظروف الإعتصام القائمة في ميدان التحرير طلبا للقصاص من قتلة الشهداء، أصبح من الصعوبة بمكان أن يكون التحرير مقتصرا على تجمع تيارات الإسلام السياسي، ولذا صدرت بعض التصريحات من البعض بأن المعتصمين يجب أن يفضوا إعتصامهم، ويتركوا الميدان.  وصرحت بعض قيادات هذا التيار إلى أنهم سيطهرون التحرير من هؤلاء، مما كان يعني أن نوعا من الإستنكار لحق أهالي الشهداء في الإعتصام،  كما  كانت تحمل تهديدا بالعنف سيستخدم من أجل إخراج المعتصمين من التحرير. ولما رأت تلك الجماعات  إستهجان الرأي العام لهذه النبرة، غيروا من خطابهم، ولجأوا إلى ما أسموه بالتوافق ولم الشمل، وإعتذروا عن أقوالهم السابقة.    ولقد شهدنا على شاشات الفضائيات التلفزيونية إجتماعات متعددة بين الإئتلافات المختلفة، والأحزاب السياسية على أن تكون جمعة 29 يوليو هي جمعة توحيد الصف، والعودة إلى روح الثورة التي تآلف فيها الجميع من أجل أهداف كبرى مشتركة، وإتفقوا كذلك على ترك الخلافات مثل رفض أو قبول وثيقة مباديء دستورية، وترحيلها إلى مائدة الحوار بعد ذلك. وإعتذر هؤلاء الذين لوحوا بإستخدام القوة عن تصريحاتهم. وقد نتج عن هذا تفاؤل كبير على المستوى العام، وعزم الكثيرون على النزول في هذا اليوم أملا ألا نفقد هذه الروح.
ولكن ما حدث في يوم الجمعة لم يكن كما توقع الجميع، إذ فوجيء المعتصمون أنه بدءا من يوم الخميس أن هناك إستعدادات غريبة تمهد أن يكون يوم الجمعة دعوة خالصة للتيارات الإسلامية، وبدأت الهتافات التي تحمل شعارات توحي بأن هناك مقاومة لتطبيق الشريعة الإسلامية، وهو أمر خال من الصحة، بالإضافة إلى أنه مستفز. وفي نفس الوقت ظهرت هتافات غريبة جدا مثل "صور صور يا أوباما.. الميدان كله أسامة". وأعتقد أن مثل هذه الهتافات غير مسئولة على الإطلاق. ولم يقتصر الأمر على هذا، بل إنتشرت في الميدان أعلام السعودية، وأعلام أخرى كتبت عليها شعارات دينية. وعبر المفكر القبطي كامل زاخر عن رأيه فيما حدث قائلا في أحدى  الفضائيات إنه لم يكن يوما مستنكرا إسلامية مصر، فهي إسلامية منذ القرن الثاني عشر الميلادي، ولكن ما أقلقه هو بعض هتافات مثل " "خيبر خيبر يايهود الإسلام لازم يعود".
ويوحي هذا المشهد بأن ذلك التيار يتصور أنه في حالة حرب، ولكن لا ندري مع من؟ وإلى أين تتجه؟ ومن الذي جمع هؤلاء البشر في أرض مصر الطيبة التي لم تعرف في تاريخها إلا الإيمان السمح المتفتح.  وما مدي قدرة هذا التيار على تزييف وعي العامة من الشعب، حيث الدين وخاصة الإسلام منفذ للدخول إلى عواطفهم وبث روح الحماس في قلوبهم.  ولقد شهدنا في حالة الإستفتاء هذا الخداع الفكري الذي مارسه ذلك التيار في القرى والنجوع وبين أفراد الشعب، حيث ربط بشكل غير مفهوم بين الموافقة على التعديلات وبين تطبيق الشريعة. ولا أستبعد أن يكون قد نشر القول أن هناك مؤامرة من التيارات الأخرى لتهميش الدين الإسلامي، ونشر الكفر والإلحاد.  وإلا لماذا هذه الحماسة في الهتافات الدينية كما لو كانت هناك قوة مضادة تقاوم وتعادي الإسلام.
وعلى الرغم من القدرة على حشد مئات الآلاف من البشر بهذا الزخم في هذا اليوم، إلا أنني أعتبر أن هذه هي بداية النهاية لفاعلية هذا التيار في الشارع المصري. وذلك لأسباب عديدة، أولا لأنه فقد المصداقية بين الشعب عامة، وبين الإئتلافات السياسية على وجه خاص. ويعني هذا أنه سيعمل وحيدا وغير مدعم من أي قوى أخرى. هذا بالإضافة إلى أن قياداته قد خسرت ثقة الجموع التي تنتمي إليها خاصة الشباب، الذي إنضم إلى هذا التيار ظنا أنه سيعيد إلى مصر حيويتها من خلال ربطها بالحضارة الإسلامية التي هي جذر هام من جذور تاريخها. ولقد شاهدت أحد شباب الإخوان إبراهيم الهضيبي متأثرا من عدم إلتزام عبد المنعم الشحات وهو من قيادات السلفيين بما قاله له من عدم رفع شعارات تخرج عن الإجماع الوطني.
و ما قالته قيادات السلفيين والجماعات الإسلامية تعليلا لما حدث، فيه إدانة لهم وتشكيكا في مصدقياتهم. أولا فإنهم دافعوا عن حقهم في رفع شعارات دينية. وهذا القول هو خروج عن جوهر الموضوع، لأن القضية الجوهرية هي قضية السياق الذي تطلق فيه هذه الشعارات ومغزاها. وأما الأمر الآخر، فقولهم أن هذه الجماهير التي جاءت بشعارات غير متفق عليها، قد جاءت عفويا. وهذا فيه إدعاء لأن التحضير لهذه التظاهرة تم تحت إشرافهم. وأما الأمر الثالث فإنكارهم أنهم وافقوا على عدم رفع شعارات إسلامية، وهذا غير حقيقي، لأننا رأينا رموزهم على شاشات التليفزيون تؤكد أنه لن يكون هناك هتافات إلا على ما هو متفق عليه.
ما حدث في هذا اليوم سيوجه المصريين إلى إختيار قوى سياسية أخرى غير هذا التيار السياسي الذي مازال غير قادر على إثبات أنه يؤمن بالدولة المدنية، والذي أثبت أنه قد جعل الغاية تبرر الوسيلة، فلم يحترم كلمته ووعوده.    

Thursday, July 28, 2011

A Dawn of A New Era


A Dawn of a New Era: The January 25  Egyptian Revolution
Introduction
I was shaken – as many – by the power, freshness, and the peaceful clear vision of the Egyptian Revolution. I was struck by the fact that people from all classes, religious backgrounds, different ideologies came together as one entity to express their defiance. I – as many others - thought that it would be so difficult to bring Egypt out from a corrupt regime. Yet people on different levels were struggling to participate in societal reforms. Writers hardly could find their way to convey their message. Soon, they realized that they were crying in the wilderness, there was no one to listen. I – like many others – were not ready for a revolution, I thought reforming the existing status quo of the society would be the best way to bring my country from an apparent deteriorating stage to a better one. For me, that seemed to be a safer way then. Now, it is clear that previous attempts and cries did not go in vain. Every constructive idea and every hopeful dream transferred to positive inspiring energies and empowered young people to face the tyranny.
Despite the fact that the Revolution was a great surprise – even for those who initiated it – It did not happen without previous struggles. During the last ten years, different movements took place against the tyranny of the state. 6 April movement, 20 March movement, University Professors movement,  labor movement for change, medical doctors for change, patriotic group to protect Egypt’s fortunes, Egyptian movement for democracy,  the committee of labor syndicates’ rights and freedom and many other groups put great pressures on the previous regime.[1]  Political changes were the core issue of all movements. Accumulation of outrage was growing steadily, and exploded in the form of revolution. Why then were we –Egyptians- surprised?
We were surprised because we did not expect the magnitude and power of the revolt. Even the young people who initiated the protests did not imagine that they would be joined by millions. For them, it was far reaching expectations.  It was amazing that the flow of events were going without an apparent leadership and without overwhelming ideology. Revolutionists were able to organize themselves without central headquarter.  Because of that, this revolution was truly unique.
At that time, it seemed also impossible that the Mubarak would leave presidency. That is, because a plan was perfectly designed for his son Gamal to take his father’s position. In order to facilitate this procedure, the parliament elections were ridiculous; electoral fraud was too obvious to be denied. Meanwhile the opposition parties were not up to the challenges. They were part of a play of democracy; most of these parties were criticizing the regime by words, and did not attempt to collaborate collectively to build a common strategy in order to create a new social reality. Because of this inhabiting social and political environment, it was too difficult to dream of a starting step for reform or a change from within the system.   On the level of masses, hidden anger was accumulating; an explosion was inevitably expected. For any observer, it was obvious that the society is vulnerable to unknown and uncalculated breakthrough.
At that time, I knew that new violent groups could have emerged and non identified ideological movements might have worked from under the ground. I wished if the previous president could have grasped the dynamic of the boiling outrage among people, then he would have adopted serious reform procedures. As an Egyptian citizen I wrote an article, addressing Mubarak with pleas for urgent reform.  It was an amazing coincidence that this article was published on January 25.
My articles were published quietly in Nahidt Misr newspaper.[2] However I believed that ideas fly without wings. I was sure that when a person thinks deeply and could crystallize thoughts, and writes them down, or spells them out, the power of those thoughts works indirectly to have impacts on the collective consciousness. I was not alone, I am sure many people were thinking positively, trying to find a way out. I gradually got to understand that the reform from within the previous regime was impossible. This regime established its power on oppression and corruption, and would have never changed its policy. The authority was playing the game of democracy, but in reality, ignored completely the voices coming from the grass roots or the elites. It meant to put people at the edge of despair, kill their aspirations, to grant their silence.
Through that last thirty years, as a young woman who looked forward to participate in the development of her country, I have been improving my skills and capabilities, together with my civic activities. I dreamed of being part of a society full of love, tolerance, caring and giving. I have always believed that sowing seeds in small area is a beginning of cultivating the whole earth. Therefore, we should never stop from doing goodness regardless of counter evil resistance. By steadfastness and persistence we will reach our goals. Day flew, I was crippled to use my full capacities, yet I have never lost hope, and I did not expect that every word I wrote before the Revolution would have an echo and power.
Before the Revolution, my thoughts, struggles, hopes and dreams revolve around how to revive the authentic Egyptian spirit that stood behind the ancient civilization, and echoed in the teachings of religions that followed. I was following this spirit through art, literature, folkloric works, even political thoughts, and the pure hearts of my students, representing a wide population of young people. In other words, I was searching for living experiences of faith as materializing in loving hearts and the sense of freedom that is truly felt when one breaks constraining dogmatic frames, and gets liberated from fears. I believed that within the environment of freedom and love, human civilizations flourish.  In few words, I dreamed of seeing Egypt, the cradle of civilization, initiating values for a new civilization.
Deep inside my heart, I sensed this hidden power in the Egyptian people, and was calling it to come to the scene; I was searching for a glimpse of light here and there. While I was watching the disintegration of the society, I opt to analyze reasons for what then seemed symptoms of uprootedness, and drew a way to bring us to the our roots, so we can see beyond our egoistic interests, and gather around common humane goals.[3] Those articles were diverse; they analyzed current situations, diagnosed spiritual and cultural illness, and prescribe possible remedies. My writings were sailing across the horizon here and there, and I was sure that a moment of awareness will come through. However, I did not expect it to come soon with that overwhelming power through a revolution. How could I have known that a revolution would be so peaceful and powerful?
Indeed this revolution was a resurrection of the Egyptian Spirit that had created the ancient civilization, and extended through all the flourishing historical moment in this country’s history. This spirit embraced Christianity and displayed it as a symphony of love for freedom and dignity. Therefore, martyrdom was honored during the oppressive policy of Roman Empire, just as it is honored in this revolution. Egyptians also welcomed Islam, reading in its teaching the same spirit of inclusion and love that was rooted in their souls.
Before the revolution, I thought that this spirit is about to die as a result of ideological hegemony, coming from the Arab Peninsula, or as a result of politicizing religions. Therefore the coming back of this spirit was a miracle by all measures. Indeed, the Divine mercy was apparent and clear.
When I repeat the expression ‘spirit of Egypt’, I recall Carl J. Jung approach in relation to the collective unconsciousness, and the archetypes. He was convinced that we carry the accumulated experiences of our human history within our psyche at the level of the unconsciousness.[4] In Tahrir square, people came to recognize themselves and their ethical power that was the core of building a great civilization. This was evident for even foreigners who lived the experience of the square. A journalist in a famous show- talk program, said he was present during critical revolutionary events in Iran, Sudan and recently Tunis, but what he saw  in Egypt during that time was different. Not only was his struck by the peacefulness of the revolutionists, but also by the way that people came together as one entity without central leadership. He expressed his amazement that despite their ideological, class, and professional differences, they had clear vision and objectives. From his perspective that was a moment of a new rebirth of the Egyptian people who have come together to recognize their One Self.[5]
The famous writer Tawfik Al- Hakim who wrote his well known story ‘The Coming Back of the Spirit’ was also inspired by the deep residing treasures within our collective uncousiousness, and visualized the Egyptian character as was expressed during 1919 revolution, and was revealed  in the 1952 Revolution. If he were here during January Revolution, he would have discovered more that he did not know.
I read once more what I have been writing in previous years, and think that it is my duty at this stage to collect those articles in one work, or one book, focusing mainly on the Egyptian Revolution. It is the right of the people to value this momentum and absorb the past with its events and lessons. Despair and hopes were wedded dramatically within the Egyptian hearts. When they broke fear barriers, they created a bridge to take them to the future.
 We must remind ourselves of the past, so that we will never tolerate any oppression and injustice in the future. We still have lots of challenges to meet. If we suffered in the past, we still have the future to enjoy.


[1] Bibliography of Social Movements in Egypt: principle investigator Ahmed Khayr, sponsored by Da’am for Information Technology in corporation with Friedrich Naumann Foundation for Freedom. In Arabic
 Abdel Ghaffar Shokr “ Protests Movement from the Past to the Heart of the Revolution. In  Amr Hashem Rabi’ (edit)  Jan uary 25 Revolution: Preliminary Reading and Futuristic Vision,  Al-Ahram Center for Strategic and Political Studies, 2011. In Arabic
[2] I mean I was not affiliated to political parties, or supported by any organization, or media’s help.   
[3] I found these following words a very close description to what has been happening in the Egyptian society:
“The population has often been atomized (turned into a mass of isolated individuals) unable to work
together to achieve freedom, to confide in each other, or even to do much of anything at their own initiative.”
[4] See C. G. Jung, The Archetypes and the Collective Unconscious (London 1996)
[5] He is a German Journalist who was hosted by Mona ElShazli in Al3ashera Masaan, Dream 2 TV channel